لم تعد الحروب تُشنّ كما كانت، ولم تعد الحدود والجغرافيا كما عرفناها في الماضي. لم يعد الخطر يأتي فقط من جندي مجهول يعبر الحدود، أو دبابة ميركافا تقتحم الأرض، بل أصبح التسلل عبر الهواتف، والمنصات، والتسريب، والإشاعة، والحرب النفسية... وفي هذا الواقع الجديد، لم تعد السيادة تُقاس فقط بقوة السلاح، بل بقوة وعي الشعب، وصلابة المؤسسات وقدرتها على الثبات والمواجهة، وحماية العقول من التلاعب والتأثر.
في الجزائر، لا يمكن الحديث عن الخوف من الجيش أو العداء له دون العودة إلى تجربة أعمق عاشها المجتمع، وهي تجربة الخوف من الإسلام بعد سنوات الدم والحداد والتيهان. فقد تحوّل التطرف والتعصب والتنطع والإرهاب إلى سلاح ضد الإسلام نفسه، لا ضد خصومه فقط. ارتُكبت جرائم باسم الدين، فاختلطت في الذاكرة الجماعية صورة التدين بالعنف والإرغام، وأصبح بعض الناس يخافون من كل خطاب إسلامي، ولو كان بريئًا من الإرهاب والتطرف.
وهنا ظهرت صورة من صور الإسلاموفوبيا داخل المجتمع الجزائري نفسه، لا كما اعتاد الناس في الغرب: خوف من الإسلام بسبب ما فعله من يقتلون باسمه، إلى درجة أن من أصبح يعتز بعبارة الإرهاب أنها آتية من آية قرآنية، أو بسبب ما صُنع حوله من صور مشوهة وموجهة. لكن الحقيقة أن الإرهاب والقتل لا يمثلان الإسلام، دين المنطق والعلم، كما أن جرائم الخوارج لا تختصر دين أمة.
ومن التخويف من الإسلام إلى التخويف بأسلحة الدمار، تتكرر الآلية نفسها: صناعة عدوّ في الوعي الجماعي، ثم توظيف الخوف منه لتوجيه الشعوب أو إخضاعها أو تبرير السياسات الأمنية والعسكرية. فكما استُخدم الإرهاب لتشويه صورة الإسلام، استُخدمت أسلحة الدمار الشامل في تجارب دولية لتبرير الحروب والتدخلات، قبل أن تنكشف لاحقًا بعض الأكاذيب التي بُنيت عليها قرارات كارثية.
وبالمقابل، ظهر ما يمكن تسميته بـ"العسكروفوبيا"، أي الخوف إلى درجة الهستيريا أو العداء تجاه العسكر. وهذا أيضًا لم يأتِ من فراغ. فقد ارتبط الجيش في أذهان البعض بالقمع، والانقلابات، والطوارئ، والسجون، وتدخل المؤسسة العسكرية في السياسة. ومن عاش الظلم أو رأى التجاوزات قد يتولد لديه خوف حقيقي ومفهوم.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الخوف إلى تعميم. فكما أنه ليس كل مسلم إرهابيًا، فليس كل عسكري قمعيًا. وكما استُعمل الإرهاب لتشويه الإسلام، قد تُستعمل أخطاء بعض العسكر لتشويه الجيش كله.
فالجيش هو العمود الفقري للدولة. وإذا صلح هذا العمود بقي جسد الأمة متماسكًا، وإذا نخَره الفساد انتقلت العدوى إلى باقي المؤسسات: القضاء، الإدارة، الإعلام، الأمن، والاقتصاد. ولهذا كتبت في السابق مقولة:
"لا يصلح حال الأمة… إلا إذا صلح جيشها!"
هذه المقولة لا تعني عسكرة الدولة، ولا تقديس المؤسسة العسكرية، بل تعني أن فساد الجيش أو استغلاله سياسيًا لا يبقى داخله، بل ينعكس على كل الدولة. فالجيش حين يكون في خدمة الوطن والشعب يصبح درعًا، وحين يتحول إلى أداة مصالح أو قمع أو في يد فصيل أو جماعة... يصبح خطرًا على الدولة نفسها.
وقد تختصر مقولتي هذا الخلل:
"أسهر على أمنه ويسهر على ترويعي"
وهي تعبّر عن لحظة مؤلمة حين يشعر المواطن أن من يفترض أن يحميه صار مصدر خوفه. لكن علاج هذا الخلل لا يكون بهدم الجيش أو كراهيته، بل بإصلاحه، ومحاسبة الفاسدين فيه، وحمايته من التوظيف السياسي والجهوي والعرقي.
ومن الإنصاف أيضًا أن ننتبه إلى أن بعض العداء للجيش لا يأتي فقط من تجارب القمع، بل من جهات لها حسابات قديمة مع جيش التحرير أو مع الجيش الوطني، لأنه قطع الطريق أمام الانتهازيين والملوثين فكريًا والطامعين في اختطاف الدولة. وهناك من ينطلق من جهوية أو تصفية حسابات، ويدرك أن ضرب الجيش يسهل عليه ضرب الدولة نفسها، لأن من يضعف العمود الفقري يفتح الباب للاستيلاء على الجسد كله.
ولا يمكن تجاهل دور العمل السري والمخابرات في تشكيل هذا الخوف. فالسرية حين تخرج عن دورها الطبيعي في حماية الدولة قد تتحول إلى غطاء للتجاوزات والتصفيات. ومع الوقت يصبح الجهاز في خيال الناس كأنه “جن”: لا يُرى، لكنه متهم بكل شيء. وهنا تختلط الحقيقة بالإشاعة، والجريمة بالرواية، والملف الأمني بتصفية الحسابات.
كما أن مصطلح الإرهاب تحوّل في بعض المراحل إلى قبر تُدفن فيه الجرائم. فكل جريمة يمكن أن تُنسب للإرهاب لإغلاق الملف، وفي المقابل قد تُنسب كل جريمة غامضة إلى الأجهزة دون دليل. وبين الروايتين تضيع الحقيقة، وتبقى الضحية بلا إنصاف.
وفي العصر الرقمي، أصبحت هذه المعارك أخطر. فالتسريبات عبر مواقع التواصل لم تعد مجرد فضائح أو أخبار، بل أصبحت أدوات حرب نفسية وابتزاز. قد يكون التسريب حقيقيًا، أو مبتورًا، أو مفبركًا، لكن الهدف غالبًا هو صناعة الصدمة، وتحطيم الثقة، وإرباك المجتمع.
فالابتزاز اليوم لا يكون بالمال فقط، بل بالصور، والملفات، والمحادثات، والبيانات. وقد تبدأ الحرب بهاشتاغ، أو تسجيل صوتي، أو حساب مجهول، ثم تتحول إلى أزمة سياسية أو أمنية تهدد الوطن، قد يفتعلها أحيانًا مختل أو جاهل أو مدفوع.
وهنا تظهر أهمية السيادة الرقمية. فالدولة التي لا تحمي بياناتها، ولا تملك وعيًا رقميًا، ولا تصارح شعبها، تصبح مكشوفة أمام الاختراق الخارجي والحرب النفسية. فالحدود اليوم لم تعد فقط في الصحراء والبحر والجبال، بل أصبحت في الهواتف والخوادم والعقول.
والخارج لا يخترع دائمًا المظالم من العدم، بل يستغل مظالم حقيقية: ظلم، فساد، قمع، تهميش، تمييز، عنصرية، وغياب عدالة. وحين يُمنع الناس من معرفة الحقيقة في الداخل، يصبحون أكثر قابلية لتصديق كل رواية تأتي من الخارج في غياب الوعي، خاصة إذا جاءت بشعار الحرية وحقوق الإنسان.
لكن في المقابل، هناك أنظمة تستعمل “العدو الخارجي” كفزاعة لمنع أي تغيير. فكل نقد يصبح مؤامرة، وكل مطالبة بالإصلاح تصبح خدمة للعدو. وهكذا تضيع الحقيقة بين خارج يستغل المظالم، وداخل يستغل الخارج لقمع المجتمع.
لذلك فالمطلوب ليس تقديس الجيش، ولا شيطنته. وليس تبرير الإرهاب، ولا استعماله لتشويه الإسلام. المطلوب هو الوعي، والعدل، والمحاسبة، والشفافية، وبناء جيش صالح يحمي الوطن، وإسلام بريء من الغلو والمذهبية الضيقة والطرقية المنحرفة والإرهاب، ومواطن لا يُخدع بالشعارات ولا بالتسريبات ولا بالتخويف والابتزاز.
وخلاصة القول:
إذا أصبح الإسلام عدوًا في بلد مسلم، وأصبح الجيش عدوًا في دولة تحتاج إلى حماية نفسها، فماذا بقي للدولة الجزائرية يا كرام؟
نورالدين خبابه 12 ماي 2026

إرسال تعليق