من الأولى بالمصالحة: أبناء المجاهدين والشهداء... أم أبناء الحركى والأقدام السوداء؟

مقال تحليلي حول المصالحة في الجزائر بين ذاكرة الثورة والعلاقات مع فرنسا وحق الجزائريين في الإنصاف.


مقال تحليلي يناقش مفارقات المصالحة في الجزائر بين الذاكرة الوطنية والعلاقات مع فرنسا، ويطرح تساؤلات حول العدالة والإنصاف وحق الجزائريين في المصارحة والتعبير.

المصالحة ليست شعارًا سياسيًا، ولا بيانًا رئاسيًا، ولا نداءً يُرفع عند الحاجة لامتصاص الغضب ثم العودة إلى المظالم، ولا ورقة دبلوماسية تُستعمل لمغازلة الخارج كورقة للهروب إلى الأمام، أو بطاقة تُستخدم لتمرير بعض الصفقات... بل هي، قبل كل شيء، إرادة صادقة وعدالة وإنصاف واعتراف بالذاكرة والحقوق.

حين تصبح المصالحة مع فرنسا، بما تحمله من تاريخ احتلال ومجازر وذاكرة مثقلة بالدماء والدموع، أسهل من المصالحة مع جزائريين رفضوا الانسياق وراء الانقلاب على إرادة الشعب، ورفضوا الفساد والانسلاخ، ورفضوا تبديد الأموال العامة والتلاعب بالهوية، يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا في الوقت نفسه: من الأولى بالمصالحة، أبناء المجاهدين والشهداء أم أبناء الحركى والأقدام السوداء؟

إن الأمر لا يتعلق أبدًا برفض الحوار مع الآخر، ولا بالدعوة إلى إحياء الأحقاد، فالعلاقات بين الدول تحكمها المصالح والتوازنات. لكن الإشكال يبدأ حين تُفتح الأبواب أمام ذاكرة الاحتلال التي لم تُعالج بعد، وتُوفَّر لبعض رموزها أو أبنائها التسهيلات والحماية والمنابر... بينما يُضيَّق على مؤرخين ومناضلين جزائريين في حقهم في التنقل أو التعبير أو رواية ما عاشوه من مآسٍ ما يزال شهودها أحياء، أو الوقوف أمام أصحاب المشروع الباطني الذين تغلغلوا داخل مؤسسات الدولة في ظل المأساة التي ضربت أصالة الشعب.

بربكم يا معشر الوطنيين، أو يا من لا يزال عبق الثورة يطل عليكم ولو في المنام، كيف يمكن فهم إعادة الدفء إلى العلاقات مع فرنسا في توقيت يتزامن مع إحياء ذكرى مجازر الثامن من ماي 1945 في سطيف وقالمة وخراطة، وبعد حرب دامت لأكثر من قرن وخلّفت ملايين الضحايا، في مقابل استمرار منع بعض الجزائريين من الدخول إلى وطنهم أو مغادرته أو التعبير أو التنقل بحرية؟

أليس من المفارقات أن تُفتح أبواب المصالحة السياسية والدبلوماسية مع دولة الاحتلال السابقة، التي ما تزال تحتفظ برفات مقاومين جزائريين في متاحفها، وتحتجز جزءًا من أرشيف الجزائر، بينما يشعر بعض أبناء المجاهدين والشهداء بالتضييق أو الإقصاء داخل وطنهم، وممنوعون من النشاط السياسي أو الدعوي؟

والأشد إيلامًا أن بعض الجزائريين قد يتمتعون بحريات في فرنسا، ويجدون فيها الرعاية الصحية والسكن والنقل... بينما يُحرمون من أبسط حقوقهم داخل الجغرافيا التي ضحّى من أجلها آباؤهم وأجدادهم. فكيف يمكن أن يكون الوطن أضيق على أبنائه من بلدٍ كان بالأمس جزءًا من معاناتهم التاريخية؟

إن القضية لا تتعلق بمعاداة دين أو عرق أو جنسية، ولا بالبقاء في الماضي، ولا برفض النقاش التاريخي مع الفرنسيين أو غيرهم، بل تتعلق بمبدأ العدالة في التعامل مع الذاكرة الوطنية. فإذا كان من حق شخصيات قادمة من ذاكرة الاحتلال أو منحدرة من عائلات الأقدام السوداء أن تدخل الجزائر وتحاضر عن التاريخ والذاكرة، فمن باب أولى أن يكون للجزائريين الحق في الحديث عن مآسيهم الداخلية، وعن بن طلحة، والرمكة، وسركاجي، والبرواقية، وغيرها من المحطات الدامية التي ما تزال عائلاتها وشهودها يحملون آثارها في الذاكرة والوجدان.

فالمفارقة الكبرى أن ذاكرة الثورة تُستحضر رسميًا في المناسبات والخطابات، بينما تُحاصر أحيانًا ذاكرة أخرى لأنها قريبة من الحاضر، أو لأنها تُحرج السلطة، أو لأنها تكشف جوانب لم تُحسم بعد في كتابة التاريخ الوطني. وهنا تظهر الانتقائية بوضوح: ذاكرة تُرفع إلى مقام القداسة حين تمنح شرعية سياسية، وذاكرة تُدفع إلى الصمت حين تطالب بالحقيقة والإنصاف.

إن الذاكرة الوطنية لا تتجزأ. فلا يمكن تقديس الشهداء والمجاهدين، وجعل ذاكرتهم بعيدة عن التمحيص، ثم التضييق على أبناء بعضهم حين يطالبون بحقهم في الكلام أو التنقل أو العودة إلى وطنهم. ولا يمكن الحديث عن السيادة أمام الخارج، ثم التعامل مع بعض أبناء الوطن كأنهم عبء أو تهديد أو ملف أمني مؤجل. أليس من حقنا أن نشك في الروايات الرسمية إذا كان تحريف الواقع يُرى بالعين المجردة، فيما يُراد لنا أن نؤمن بالأساطير التي تعود إلى ما قبل التاريخ؟

والسؤال الأعمق هنا: هل أصبحت المصالحة مع فرنسا أسهل من المصالحة مع الجزائريين؟ وهل تعكس هذه التناقضات أزمة في ترتيب الأولويات، أم سوء تقدير، أم جهلًا مركبًا، أم ضعفًا أمام الخارج واستقواءً على الداخل، أم أنها جزء من حسابات سياسية وأمنية أوسع، وهروب من الحقيقة التي تعرّي الوطنية المغشوشة؟

إن المصالحة الحقيقية لا تعني نسيان التاريخ، ولا تعني إغلاق الملفات بالقوة أو بالصمت. المصالحة الحقيقية تبدأ بالنية الصادقة والإرادة الحقيقية والمصارحة، وبالاعتراف بالأخطاء، وقبول بعضنا البعض في جزائر تسع الجميع، وباحترام حق الضحية في رواية قصتها، وحق الشاهد في تقديم شهادته، وحق المواطن في دخول وطنه والخروج منه دون أن يشعر أن انتماءه مشروط أو ناقص.

إن فتح الأبواب أمام الخارج، مع إبقاء الجراح الداخلية معلقة، لا يصنع المصالحة، بل يعمّق الإحساس بالازدواجية والانتقائية، ويدفع إلى الاحتقان وإلى شعور بالظلم ثم الانتقام. فالمصالحة التي لا تبدأ بالجزائري، ولا تعيد الاعتبار لأبناء المجاهدين والشهداء، ولا تنصف ضحايا المآسي الوطنية، تبقى مصالحة عوراء وعرجاء وغير حقيقية، مهما تجملت بالخطابات والبروتوكولات، ومهما زُيّنت في وسائل الإعلام الرسمية.

ليست المشكلة في أن تتحاور الجزائر مع فرنسا أو مع غيرها، بل في أن يتحول الحوار مع الخارج إلى أولوية، ويا ليتها كانت كذلك، بينما يبقى الحوار مع الداخل مؤجلًا أو محاصرًا. وليست المشكلة في أن تُناقش ذاكرة الاحتلال، بل في أن تُمنع أو تُهمَّش ذاكرة الجزائريين أنفسهم.

من الأولى بالمصالحة إذن؟

الأولى بها هو المواطن الجزائري الذي يشعر بالغربة داخل وطنه. هو البطال، وهي العانس، وهي الفئات الهشة والمهمشة والمقصاة.

الأولى بها هم أبناء المجاهدين والشهداء الذين ينتظرون إنصافًا لا شعارات.

الأولى بها هم ضحايا المآسي الوطنية وشهودها الذين ما يزالون أحياء.

والأولى بها هي الجزائر نفسها، حين تتصالح مع كل ذاكرتها لا مع جزء منها فقط.

أما حين تتحول الذاكرة إلى أداة سياسية تُستعمل عند الحاجة وتُهمَل عند الإحراج، فإننا لا نكون أمام مصالحة وطنية حقيقية، بل أمام إدارة انتقائية للماضي والحاضر معًا، وهنا لا يمكن أن نعطي ثقتنا لمن يريد أن يشوه ماضينا وحاضرنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا.

نور الدين خبابه — 11 ماي 2026

إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget