Latest Post

نورالدين خبابه سنة 2014 خلال فترة إطلاق كتاب المصالحة الجزائرية، في سياق نضاله من أجل مصالحة وطنية حقيقية.
توضيح ضروري للرأي العام بخصوص استغلال رغبة عودتي المحتملة للجزائر:

نشر الأخ عثمان لحياني في موقع «العربي الجديد»، بتاريخ 27 جانفي 2026، مقالًا بعنوان:
«الجزائر: استفادة نشطاء الخارج من مبادرة العفو»، تطرّق فيه إلى عودتي المحتملة إلى الجزائر دون أن يستشيرني أو يتواصل معي للتحقّق من المعلومات، ونقل وقائع لا علاقة لي بها، كما استُخدمت صورتي مع الأخ أحمد شوشان كعنصر ترويجي للموضوع.

وعملًا بحقّ الرد، وحرصًا على عدم تضليل الرأي العام أو تسويق صورتي على أنّني أستجدي أو «أخضع أو أركع أو أساوم»، أقدّم هذا التوضيح الصريح.

رجل راكع أمام قبر في صمت عميق، يلامس التراب في مشهد يجسّد وجع العودة بعد المنفى واعتذار ابنٍ متأخر لأمّه.
بعضُ الجِراحِ لا يفتحُها الغيابُ، بل تفتحُها العودةُ ذاتُها، حينَ نكتشفُ أنَّ الزمنَ سبقَنا إلى أحبَّتِنا.
هذه الكلماتُ ليستْ شكوى ولا ندمًا، بل محاولةٌ لملامسةِ وجعٍ مؤجَّل… وجعِ أمٍّ انتظرتْ ابنَها، وابنٍ يعودُ متأخِّرًا إلى قبرِها، وهو يجرُّ قدميه المتثاقلتينِ اللتينِ لا تقويانِ على الوقوفِ خجلًا من صدمةِ القبرِ الذي سيُفتَحُ في قلبِه من جديدٍ.

أوَّلُ من فكَّرتُ فيه اليومَ، بعد خمسٍ وعشرينَ سنةً قضيتُها لاجئًا بين المنافي، هي أمِّي رحمها الله.
لا أفكِّرُ فيها كذكرى عابرةٍ، بل كحضورٍ ثقيلٍ يسبقُني إلى كلِّ فكرةٍ، وإلى كلِّ شهقةٍ، وإلى كلِّ دمعةٍ… وكصوتٍ لا يهدأُ مهما طالَ الغيابُ.
لا تزالُ كلماتُها تطرقُ أذنيَّ بإلحاحٍ موجعٍ، كأنَّها لم تُغلقْ بابَ الانتظارِ يومًا.

أسمعُها كما كانت، بنفسِ النبرةِ التي تعلَّمتِ الصبرَ قبل أن تتعلَّمَ الشكوى، وهي تقولُ لي:

«متى تعودُ يا ابني؟
من قتلوا وفعلوا الأفاعيلَ بالشعب… هم اليوم يتبخترون في الشوارع، ويبيعون ويشترون، ومنهم من تمت ترقيته، ومنهم من صار يحكم بأحكامه!
وأنتَ؟ ماذا فعلتَ أنتَ؟
ليس لي من طلبٍ إلا رؤيتُك… أم تريدُ أن تعودَ بعد أن أموت؟»

صورة عيسى بوسام في مناسبة وفاة البشير، ابن أخ نورالدين خبابه، توثق لحظة عائلية قبل الفقد.
ليست كلّ المراثي وداعًا، وبعض الفقد لا يحتمل اللغة الجاهزة ولا التعزية الباردة. هذا النص كُتب في لحظة صمتٍ ثقيل، يستدعي الغياب لا بوصفه حدثًا، بل كجرحٍ ممتدّ في الذاكرة، وكسؤالٍ عن معنى الاستمرار حين يرحل من كانوا جزءًا من المعنى نفسه.

عيسى: أيها الأستاذ

 لم تطاوعني المفردات أن أكتب وداعًا كما اعتاده الناس، ولا أن أنسج تعزيةً نمطيةً تشبه ما سبقها في البرود. منذ سماع خبر رحيلك يا عيسى بوسام، وأنا أتمتم في داخلي، أبحث عن رحمٍ فكّكته الأحداث؛ شارد الذهن في غربةٍ محتومة لا تُشبه إلا نفسها: بيوتٌ عاريةٌ من الحرارة الأسرية، ووجوهٌ لم تعد تشبه ما تركناه خلفنا.

في هذه الذكرى، لا أستذكر اسم الفريق أحمد قايد صالح فحسب، بل أستذكر أيضًا اسم حسين آيت أحمد – رحمهما الله تعالى – إلى جانب جيل كامل من قادة الثورة الجزائرية الذين آمنوا بالعلم الوطني الواحد، وبوحدة المغرب العربي وشمال إفريقيا، وناضلوا من أجل تحرير الجزائر من الاحتلال الاستعماري، كما أكد ذلك بيان أول نوفمبر 1954.

كان ذلك الجيل يحمل مشروعًا وطنيًا واضحًا: بناء جزائر حرّة موحَّدة، ذات امتداد مغاربي وإفريقي وعربي، ترفرف فوقها راية واحدة لشعب واحد، رغم تنوّع مكوّناته الثقافية والإثنية. وقد ناضل كثيرون منهم، وسُجنوا، ونُفوا، واستشهدوا دفاعًا عن هذا المبدأ وعن هذه الروح الوطنية.

في سياق الجزائر المعاصر، حيث يحدث اختلاط متعمد أو غير متعمد في المفاهيم السياسية والوطنية، يصبح من الضروري إعادة النظر في تأسيس البديهيات الأساسية. هذا الجهد لا يهدف إلى التفوق الفكري المجرد، بل إلى إثراء النقاش العام ومحاولة متواضعة لتصحيح التوجهات: نحن نعارض السلطة التنفيذية وننتقد النظام السياسي بشفافية كاملة، دون اللجوء إلى الهويات المستعارة، إلا أن معارضتنا هذه لا تمتد إلى عداء الدولة الجزائرية ككيان، ولا تسعى إلى تفكيك أركانها كما تفعل بعض التوجهات الأخرى. 

على العكس، فإن دفاعنا المستمر عن مبادئ الحقيقة والعدالة والمصالحة الوطنية يُعدّ دفاعًا جوهريًا عن الدولة نفسها؛ إذ إن غياب الحقيقة يولّد الكذب المؤسساتي، وغياب العدالة ينتج الحقد والضغائن وتصفية الحسابات، وغياب المصالحة الواعية يؤدي إلى إعادة إنتاج المآسي التاريخية. 

محرقة سجن البرواقية ليست مجرّد فصلٍ عابر في المأساة الجزائرية، بل واحدة من أعمق الجراح التي ما زالت تنزف في ذاكرة جيلٍ عاش زمن الاستئصال والاعتقال والقمع. في هذه السطور أستعيد، من خلال شهادة النقيب أحمد شوشان وما حملته من تفاصيل موجِعة، حكاية سجناء أُحرقوا أحياء ودُفنوا في صمت، لا لأجل البكاء على الأطلال، بل حتى لا تتكرّر الجريمة في ثوبٍ جديد، ولا يضيع حقّ الضحايا بين النسيان والصمت المتواطئ.

كانت دموعي تنهمر البارحة وأنا أستمع إلى شهادة الأخ أحمد شوشان، في إطار برنامج «حتى لا تتكرّر المأساة». كنتُ أكاد أصرخ من شدّة وقع الكلمات، لكنّي أمسكت نفسي وتحكّمت في مشاعري حتى لا أفسد بقيّة البرنامج، وبقيتُ متأثّرًا إلى النهاية. لم يكن الأمر مجرّد حوار عابر على الهواء، بل كان عودةً قسرية إلى زمنٍ كنا نظن أنّه ابتعد قليلًا، فإذا به يطلّ من جديد بكلّ تفاصيله الدامية.

لم يكن بكائي ضعفًا، بل كان شيئًا إنسانيًّا طبيعيًّا يصدر عن شخص عاش تلك المرحلة في سجن مفتوح؛ كنّا آنذاك نتألّم لما وقع لإخواننا، ونندّد في المظاهرات، ونرفض خطّ الاستئصال، ونبحث عن مخرج يحقن الدماء ويحفظ للناس كرامتهم. ومع ذلك، كان سقف الخيارات، في نظر الكثيرين، ينحصر بين حمل السلاح أو الهجرة، وكأنّ الوطن لا يفتح أبوابه إلا على نعشٍ أو قاربِ نجاة.

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget