Latest Post

في زمن تختلط فيه الحقيقة بالإشاعة، وتتحول فيه القضايا الشخصية أحيانًا إلى مادة للتأويل والاستغلال والمتاجرة، يصبح التوضيح مسؤولية لا مفرّ منها، لا طلبًا للتعاطف، ولا سعيًا إلى الشفقة، ولا استجداءً لأيّ كان، وإنما وفاءً للحقيقة، واحترامًا للرأي العام، وبراءةً للذمة أمام الله وأمام الناس. ومن هذا المنطلق أكتب هذه السطور، رافضًا أن تُدار قضية تمسني شخصيًا في الكواليس، أو أن تُترك الضبابية المحيطة بها بابًا مفتوحًا للإساءة إليّ أو لتزوير الوقائع.

لقد أصبح من الضروري أن يكون الرأي العام على بيّنة مما يجري، لا من باب الإثارة، بل من باب المسؤولية. فحين تتكاثر الأقاويل، وتتداخل المصالح، وتختلط النوايا، يصبح الصمت نفسه خطرًا. 

ولذلك رأيت أنه من الواجب أن أوضح ما ينبغي توضيحه، حتى إذا أصابني مكروه أكون قد أدّيت ما عليّ، وبرّأت ذمتي، وكشفت ما يجب كشفه. كما أن من حق أصحاب القرار أن يعرفوا الحقيقة كما هي على أرض الواقع، لا كما قد تصلهم عبر تقارير يشوبها النقص، أو يفسدها التوجيه، أو يحرّفها سوء القصد. فليس كل من يبتسم في وجهك صادقًا في نيته، ولا كل من يظهر الودّ خاليًا من الأغراض والمقاصد الخفية.


بين رمزية الزيارة، وعمق الجراح الوطنية، يظل السؤال قائمًا: هل نعيش تسامحًا حقيقيًا، أم نُتقن فقط مشهده الخارجي؟

ليس الاعتراض على زيارة البابا، ولا على مبدأ التسامح، بل على التناقض المؤلم بين خطابٍ يُجمَّل للعلن، وواقعٍ داخلي لم يُنصف بعد أبناءه، ولم  يعالج جراحه بما يكفي من شجاعة وصدق.

يُقدَّم التسامح، في كثير من المناسبات، بوصفه قيمةً إنسانية عليا، وعلامةً على التحضّر والانفتاح، ودليلًا على الرقيّ السياسي والأخلاقي. غير أنّ هذه القيمة تفقد الكثير من معناها وصدقيتها حين تتحول إلى مشهدٍ بروتوكولي، أو إلى مادةٍ للاستهلاك الإعلامي، بدل أن تكون ممارسةً حقيقية نابعةً من قناعة فكرية وموقفٍ أخلاقي راسخ. فالتسامح، في جوهره، ليس قبلات  دبلوماسية، ولا خطابًا يُستدعى عند الحاجة، ولا صورةً تُلتقط في لحظة محسوبة، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من احترام الإنسان داخل وطنه وفي الخارج، والاعتراف بحقه في الكرامة والاختلاف والذاكرة والانتماء وحرية الاعتقاد.

صورة نورالدين خبابه أمام العلم الجزائري تعبيرا عن مقال الجزائر بين دعاة الفطنة ودعاة الفتنة والمصالحة الوطنية.
بين الذاكرة والتاريخ، وبين النقد والمسؤولية الوطنية، يتجدّد النقاش حول معنى المصالحة وحدود الاختلاف السياسي في الجزائر. يحاول هذا المقال قراءة المشهد من زاوية فكرية تميّز بين خطاب البناء والإصلاح، وخطاب الاستقطاب والاستغلال والتوظيف، في سياق البحث عن مستقبل وطني جامع لا يُقصي أحدًا ولا يعيد إنتاج أخطاء الماضي.

لم تكن الجزائر يومًا مجرّد جغرافيا أو حدود مرسومة على الخريطة، بل كانت دائمًا فكرة حيّة في وجدان شعبها، ومسارًا تاريخيًا تشكّل عبر صراع مستمر بين رؤيتين: رؤية تسعى إلى البناء والتبصّر الاستراتيجي واستحضار الحكمة والعقلانية، وأخرى تغذّي الانقسام وتعيش على منطق الصراع الدائم على السلطة والجاه والعرق. وبين دعاة الفِطنة ودعاة الفِتنة يتحدد مصير الأمم وتتشكّل ملامح المستقبل.

وقد قلنا سابقًا: "الفِطنة نائمة، رحم الله من أيقظها"؛
لأنّ المجتمعات لا تنهار فجأة، بل حين يغيب الوعي ويُستبدل التفكير بردود الفعل والانفعال العاطفي.

صورة شخصية للإعلامي نورالدين خبابه أمام العلم الجزائري في مشهد يعبر عن الاهتمام بالقضايا الوطنية والفكرية.
في زمن تختلط فيه المفاهيم ويُستغل فيه الخطاب الوطني لأغراض ظرفية، يصبح التمييز بين الدولة والنظام والسلطة ضرورة أخلاقية وفكرية. هذا البيان يوضح معنى الولاء الحقيقي للوطن، ويعيد ضبط البوصلة بعيدًا عن التوظيف السياسي والانتهازية الخطابية.

تظلّ الجزائر، بوصفها دولةً، في صدارة الالتزامات الأخلاقية والوطنية لدى أبنائها المخلصين. لقد ساهمنا، وسنستمر في المساهمة، في صونها والدفاع عنها بما نملك من جهدٍ فكري ومادي ونفسي، ولو اقتضى ذلك تضحياتٍ شخصية جسيمة على مستوى الصحة والأسرة والوقت.

ولا ينبع هذا الالتزام من دوافع ظرفية أو ردود فعل عاطفية، بل من قناعة راسخة بأنّ حماية الوطن مسؤوليةٌ مستمرة لا ترتبط بحملات دعائية، ولا تستدعي توجيهات إعلامية موسمية من جهاتٍ تفتقر إلى المصداقية أو إلى الاستقلالية المهنية. كما أنّنا لا نحتاج إلى تحريضٍ من أشخاص يخلطون – عمدًا أو جهلًا – بين مفاهيم سياسية أساسية ينبغي التفريق بينها بدقة، وهي:

نورالدين خبابه سنة 2014 خلال فترة إطلاق كتاب المصالحة الجزائرية، في سياق نضاله من أجل مصالحة وطنية حقيقية.
توضيح ضروري للرأي العام بخصوص استغلال رغبة عودتي المحتملة للجزائر:

نشر الأخ عثمان لحياني في موقع «العربي الجديد»، بتاريخ 27 جانفي 2026، مقالًا بعنوان:
«الجزائر: استفادة نشطاء الخارج من مبادرة العفو»، تطرّق فيه إلى عودتي المحتملة إلى الجزائر دون أن يستشيرني أو يتواصل معي للتحقّق من المعلومات، ونقل وقائع لا علاقة لي بها، كما استُخدمت صورتي مع الأخ أحمد شوشان كعنصر ترويجي للموضوع.

وعملًا بحقّ الرد، وحرصًا على عدم تضليل الرأي العام أو تسويق صورتي على أنّني أستجدي أو «أخضع أو أركع أو أساوم»، أقدّم هذا التوضيح الصريح.

رجل راكع أمام قبر في صمت عميق، يلامس التراب في مشهد يجسّد وجع العودة بعد المنفى واعتذار ابنٍ متأخر لأمّه.
بعضُ الجِراحِ لا يفتحُها الغيابُ، بل تفتحُها العودةُ ذاتُها، حينَ نكتشفُ أنَّ الزمنَ سبقَنا إلى أحبَّتِنا.
هذه الكلماتُ ليستْ شكوى ولا ندمًا، بل محاولةٌ لملامسةِ وجعٍ مؤجَّل… وجعِ أمٍّ انتظرتْ ابنَها، وابنٍ يعودُ متأخِّرًا إلى قبرِها، وهو يجرُّ قدميه المتثاقلتينِ اللتينِ لا تقويانِ على الوقوفِ خجلًا من صدمةِ القبرِ الذي سيُفتَحُ في قلبِه من جديدٍ.

أوَّلُ من فكَّرتُ فيه اليومَ، بعد خمسٍ وعشرينَ سنةً قضيتُها لاجئًا بين المنافي، هي أمِّي رحمها الله.
لا أفكِّرُ فيها كذكرى عابرةٍ، بل كحضورٍ ثقيلٍ يسبقُني إلى كلِّ فكرةٍ، وإلى كلِّ شهقةٍ، وإلى كلِّ دمعةٍ… وكصوتٍ لا يهدأُ مهما طالَ الغيابُ.
لا تزالُ كلماتُها تطرقُ أذنيَّ بإلحاحٍ موجعٍ، كأنَّها لم تُغلقْ بابَ الانتظارِ يومًا.

أسمعُها كما كانت، بنفسِ النبرةِ التي تعلَّمتِ الصبرَ قبل أن تتعلَّمَ الشكوى، وهي تقولُ لي:

«متى تعودُ يا ابني؟
من قتلوا وفعلوا الأفاعيلَ بالشعب… هم اليوم يتبخترون في الشوارع، ويبيعون ويشترون، ومنهم من تمت ترقيته، ومنهم من صار يحكم بأحكامه!
وأنتَ؟ ماذا فعلتَ أنتَ؟
ليس لي من طلبٍ إلا رؤيتُك… أم تريدُ أن تعودَ بعد أن أموت؟»

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget