من مؤتمر الصومام الى مؤتمر الجزائر !

مقال يربط مؤتمر الصومام 1956 بأخطاء المسار الثوري، ويدعو اليوم إلى مؤتمر جزائري جامع لمصالحة تاريخية وبناء دولة العدل والمؤسسات.

ُعدّ مؤتمر الصومام، الذي انعقد في 20 أغسطس 1956، أحد أبرز المحطات في تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية. فقد ساهم في إعادة تنظيم جبهة التحرير الوطني، وتوحيد هياكلها القيادية، وإعطاء دفعة تنظيمية حاسمة للكفاح المسلح في مرحلة كانت الثورة فيها تواجه خطر التشتت والإرباك.

 غير أنّ هذا المؤتمر، رغم إنجازاته التنظيمية اللافتة، أثار جدلًا تاريخيًا عميقًا بسبب بعض قراراته الجوهرية، لا سيما تلك المتعلقة بإعطاء الأولوية للعمل السياسي على العسكري، وللداخل على الخارج، ممّا اعتبره عدد من القادة التاريخيين والثوار الأوائل انحرافًا عن الروح الثورية الأصيلة التي عبّر عنها بيان أول نوفمبر 1954.

هذا الجدل لم يقتصر على اللحظة التاريخية، بل امتدّ تأثيره إلى الصراعات الداخلية التي شهدتها الثورة لاحقًا، وصولًا إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث لا تزال الجزائر تواجه تبعات تلك الخلافات في شكل تحديات سياسية واجتماعية وهويّاتية.

 إن مراجعةً موضوعيةً لمؤتمر الصومام، بعيدًا عن التحيزات الأيديولوجية أو الجهوية، تفرض علينا طرح أسئلة مشروعة حول مدى الالتزام بأهداف الثورة الأصلية، وعن أسباب التقليل من بعدها العربي الإسلامي، وعن طبيعة الصراعات التي أعقبت المؤتمر وأثّرت في مسار بناء الدولة الوطنية.

في هذا السياق، يأتي هذا المقال ليسلّط الضوء على هذه المحطة التاريخية الحساسة، مستندًا إلى وقائع موثّقة وشهادات القادة أنفسهم، بهدف دعوة الأجيال الحالية والقادمة إلى مصالحة تاريخية شاملة تمكّن الجزائر من تجاوز إرث الخلافات الماضية، وتأسيس دولة مؤسسات قوية قائمة على العدل والكفاءة والانتماء الوطني الجامع.

المتن الرئيسي

اندلعت الثورة التحريرية الجزائرية في 1 نوفمبر 1954، على يد مجموعة من المناضلين الشباب الذين انتزعوا المبادرة من القيادات التقليدية، مثل مصالي الحاج، مفجّرين ثورة مسلّحة فاجأت الاحتلال الفرنسي. 

هذا العنصر المفاجئ هو الذي أربك سلطات الاحتلال وحلفاءها، دافعًا إياها إلى بذل جهود حثيثة لقمع الثورة في مهدها، أو على الأقل تحريف مسارها من خلال عمليات الاختراق والتشويه، كما تجلّى ذلك في حوادث متعددة، منها قضية «لابلويت» التي كشفت محاولات التلاعب بالثورة.

بعد عامين من اندلاع الثورة، شكّل انعقاد مؤتمر الصومام منعطفًا حاسمًا في مسارها. ساهم هذا المؤتمر في توحيد الهياكل التنظيمية لجبهة التحرير الوطني، وأعطى دفعة جديدة للكفاح المسلح من خلال إعادة تقسيم التراب الوطني إلى ولايات، وتوحيد الرتب العسكرية، وإنشاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية ولجنة التنسيق والتنفيذ.

ومع ذلك، أثارت بعض قراراته جدلًا واسعًا، خاصة تلك المتعلقة بإعطاء الأولوية للعمل السياسي على العسكري، وللداخل على الخارج، ممّا اعتبره بعض القادة التاريخيين انحرافًا عن النهج الثوري الأصلي المعبَّر عنه في بيان 1 نوفمبر 1954، الذي ركّز على الكفاح المسلّح كوسيلة أساسية للتحرير.

هذه القرارات أدّت إلى توترات داخلية عميقة، تجلّت في رفض بعض القادة الخارجيين، مثل أحمد بن بلة، لمنصّة الصومام، وفي صراعات لاحقة بين الفصائل. كما التحق بالثورة بعد المؤتمر شخصيات كانت سابقًا تدعو إلى الاندماج أو التفاوض، مثل فرحات عباس ويوسف بن خدة، ممّا ساهم في تعزيز التوجّه الدبلوماسي الذي بلغ ذروته في اتفاقيات إيفيان عام 1962.

رغم الإنجازات التنظيمية لمؤتمر الصومام، الذي أنقذ الثورة من خطر التشتت وأعطاها هيكلًا مؤسساتيًّا، إلا أنه أثار أسئلة تاريخية مشروعة لا تزال قائمة، تستحق بحثًا موضوعيًا من قبل المؤرخين المستقلين، مدعومًا بالوثائق والمصادر الأصلية، من قبيل:

ما أسباب التقليل من البعد العربي الإسلامي للثورة في مؤتمر الصومام، رغم وضوحه في بيان 1 نوفمبر 1954 الذي أكّد على إعادة بناء الدولة الجزائرية في إطار المبادئ الإسلامية واحترام الهوية العربية الإسلامية لشمال إفريقيا؟

ما هي التصريحات الدقيقة للشهيد محمد العربي بن مهيدي وزيغود يوسف بعد المؤتمر، وهل كانت تعبّر عن تحفظات جوهرية على بعض قراراته؟

كيف ترتبط الصراعات الداخلية بعد المؤتمر، بما فيها اغتيال عبان رمضان عام 1957 (الذي تورّط فيه قادة مثل عبد الحفيظ بوصوف وكريم بلقاسم وبن طوبال) واغتيال كريم بلقاسم عام 1970، بالتنافس على القيادة والسلطة؟

هل كان رفض بعض قيادات حزب الشعب الجزائري للخيار الثوري سابقًا يفسّر سعيهم لاحقًا إلى التفاوض والسلطة؟

هذه الأسئلة تكشف عن استمرارية التحديات التي تواجه الجزائر حتى اليوم، حيث لا تزال تدفع ثمن الخلافات التاريخية والانحرافات عن أهداف بيان نوفمبر، الذي لم يتحقق بالكامل في بناء دولة ديمقراطية اجتماعية عادلة.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مصالحة تاريخية شاملة، كما دعوت  إليها  في كتابه «المصالحة الجزائرية» عام 2014. هذه المصالحة ليست مجرّد مراجعة للماضي ولا هوي مقتصرة على الجبهة الاسلامية وقيادة الجيش، بل محطة مفصلية حضارية وسلمية لتجاوز الصراعات الجهوية والأيديولوجية، وتأسيس دولة مؤسسات قائمة على العدل والقانون والكفاءات، تضمّ الجميع دون تمييز عرقي أو إثني، وتنقل الجزائر من مرحلة الزعامات الفردية  والتسابق والتصارع على السلطة إلى بناء مجتمع متضامن يحقّق التنمية الشاملة للفرد والأسرة والوطن.

نورالدين خبابه
06 أوت 2018



إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget