تظلّ الجزائر، بوصفها دولةً، في صدارة الالتزامات الأخلاقية والوطنية لدى أبنائها المخلصين. لقد ساهمنا، وسنستمر في المساهمة، في صونها والدفاع عنها بما نملك من جهدٍ فكري ومادي ونفسي، ولو اقتضى ذلك تضحياتٍ شخصية جسيمة على مستوى الصحة والأسرة والوقت.
ولا ينبع هذا الالتزام من دوافع ظرفية أو ردود فعل عاطفية، بل من قناعة راسخة بأنّ حماية الوطن مسؤوليةٌ مستمرة لا ترتبط بحملات دعائية، ولا تستدعي توجيهات إعلامية موسمية من جهاتٍ تفتقر إلى المصداقية أو إلى الاستقلالية المهنية. كما أنّنا لا نحتاج إلى تحريضٍ من أشخاص يخلطون – عمدًا أو جهلًا – بين مفاهيم سياسية أساسية ينبغي التفريق بينها بدقة، وهي:
الدولة: باعتبارها الإطار السيادي الدائم الذي يضم الشعب والأرض والمؤسسات، ويعلو على الأشخاص والتحولات الظرفية.
النظام السياسي: باعتباره نمط الحكم القابل للتقييم والتعديل والإصلاح أو التغيير، وفق قواعد شرعية تراكمية وإرادة شعبية.
السلطة: باعتبارها جهازًا تنفيذيًا مؤقتًا يتولى إدارة الشأن العام ضمن مرحلة زمنية محددة، وتُقاس مشروعيته بأدائه واحترامه للقانون والحقوق.
إن هذا التمييز ليس ترفًا نظريًا، ولا فلسفة كلامية، بل شرطٌ لفهم معنى الولاء الحقيقي للوطن؛ فالوطن يُحبّ ويُصان بوصفه دولةً وشعبًا وتاريخًا وثقافة وسيادة، لا بوصفه أشخاصًا عابرين أو مراكز نفوذ مؤقتة.
وانطلاقًا من هذا الفهم، خضنا – على مدار أكثر من عقدين – نضالًا فكريًا وإعلاميًا عبر الفضاء الرقمي، دفاعًا عن مشروع المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة، قبل أن يتحوّل هذا المفهوم إلى شعارٍ متداول في الخطاب العام. لقد سعينا، من خلال الكتابة والإعلام والنقاش المفتوح، إلى توضيح أنّ المصالحة ليست قرارا سياسيا ولا بيانا رئاسيا، وليست منّةً من سلطةٍ على أبناء الشعب، ولا تنازلًا من طرفٍ لآخر، بل هي مشروع استراتيجي لحماية الدولة من الانقسام والتفكك، وضمان استقرارها على أسس العدالة والذاكرة المشتركة وعدم تكرار المآسي.
فالمصالحة، في جوهرها، ليست إجراءً ظرفيًا لتهدئة الأوضاع أو كسب الوقت، بل رؤية طويلة المدى تقوم على معالجة الجراح التاريخية، وإعادة بناء الثقة بين سلطة الدولة والمجتمع، وترسيخ ثقافة الحوار بدل منطق التعالي والإقصاء والاستئصال. ومن دون هذه الرؤية، تبقى الجزائر عرضةً لدورات متكررة من الصراع، يسهل استغلالها داخليًا وخارجيًا لضرب استقرار الدولة ووحدتها.
كما تمثّل الجزائر، في الوعي الجمعي لكثير من أبنائها، قيمةً رمزية تُشبه الأمومة الوطنية؛ ومن يتخلّى عن الدفاع عن كرامتها وسيادتها واستقلال قرارها، يُضعف – في نظر هؤلاء – أحد معايير الشرف المدني والالتزام الأخلاقي تجاه الجماعة الوطنية.
وفي المقابل، فإنّ ممارسة “الوطنية الانتهازية”، عبر المتاجرة بالشعارات أو تقاضي الأثمان مقابل التبرير والمديح، لا تُنتج ولاءً حقيقيًا للدولة الجزائرية، ولا تمنح أصحابها صفة تمثيل الشعب أو تجسيدها. فالشعوب – بما تملكه من ذاكرة وخبرة تاريخية ومعاصرة – قادرة على التمييز بين الالتزام الصادق والعمل المصلحي، وبين النقد المسؤول والتسلق السياسي أو الإعلامي.
أمّا المرجعية الأخلاقية، فتؤكد أن الصبر على الحق – رغم الابتلاءات – قيمةٌ مؤسسة لمعاني الثبات والكرامة، وأن تزيين الباطل قد يقود أصحابه إلى عزلةٍ أخلاقية واجتماعية، مهما نالوا من تصفيقٍ عابر أو نفوذٍ مؤقت.
وخلاصة القول: إنّ السعادة المعنوية تلازم من يلتزم بالحق ولو كان وحيدًا، بينما الشقاء يُلازم من يتبنّى الباطل ولو حظي بتأييدٍ واسع؛ لأنّ معيار القيمة في النهاية ليس كثرة الأنصار، بل سلامة الموقف وشرعية الفعل.
نورالدين خبابه
10 فيفري 2026

إرسال تعليق