نعيق الغربان

مقال رمزي تحليلي يوظف استعارة "نعيق الغربان" لقراءة الواقع وكشف دلالات بعض الأصوات المتصاعدة، باعتبارها مؤشرات على ما يُدبَّر في الخفاء


يُعدّ الخطاب الرمزي أحد أهم أدوات التعبير التي يلجأ إليها الكُتّاب لتفكيك الواقع وقراءته من زوايا غير مباشرة. ومن خلال توظيف الصورة الحيوانية، يمكن إسقاط دلالات عميقة على السلوك البشري، خاصة في سياقات الاضطراب والتحولات الكبرى. في هذا المقال، يتم اعتماد "نعيق الغربان" كاستعارة مركزية لتحليل ظاهرة تصاعد بعض الأصوات التي قد لا تكون بريئة في دلالاتها، بل تحمل مؤشرات على ما يُدبَّر في الخفاء.

(لا تستغرب، أيها القارئ الكريم، فالعنوان ليس للهزل أو المزاح، بل هو توصيف دقيق لحالة تعيشها الأمة في بعض مراحلها التاريخية. وسأحاول في هذا السياق توضيح هذا التشبيه الذي يكاد ينطق بدلالاته.

إنه حال بعض الأصوات التي ارتفع نعيقها، فبدت كغربان سوداء تحلّق في السماء، في وقت تنتشر فيه الجيف على الأرض، ويعيش الناس حالة فقدٍ وألمٍ لفقدان عزيز أو قريب، في مشهد تكاد تتنازعه النسور والذئاب المفترسة.

تُعرف الغربان بأصواتها الغليظة والخشنة، وهي سمة يمكن إسقاطها، على نحو مجازي، على بعض بني الإنسان، الذين يتحدثون بطريقة يغلب عليها الغموض أو الثقل، حتى ليبدو كلامهم عصيًّا على الفهم، ولا يُدركه إلا من تمرّس في تحليل الخطابات والتمييز بين مستوياتها، كما يُفرّق بين لغة الطير ولغة الإنسان.

وعلى الرغم من قدرة الغراب على التحليق، واستعماله ما يبدو كمهارات في الطيران، فإنه يظل محدودًا في طبيعته، فلا يستطيع أن يخرج عن خصائصه، ولا أن يُحاكي أنماطًا لا تنتمي إليه، كمشية الحجلة مثلًا. كما أنه لا يخدع الصيادين المهرة، الذين يدركون طبيعته، بل ويتجنبونه، لعدم جدواه من جهة، ولوجود فرائس أكثر نفعًا من جهة أخرى.

غير أن ثمة علامة دقيقة لا ينتبه إليها إلا أهل الخبرة: فتكاثر نعيق الغربان قد يكون مؤشرًا على وجود خطر يُدبَّر على الأرض. فقد يدل ذلك على اقتراب أفعى من عش الطيور، أو استعداد مفترس كالثعلب أو الذئب للانقضاض على فريسته. وهي إشارات لا يدركها إلا من تمرّس في قراءة العلامات وفهم السياقات.

إن هؤلاء لا يقيسون الزمن بالساعات التقليدية، بل يعتمدون على مؤشرات طبيعية، كحركة الظل، وتعاقب الهلال، وشروق الشمس وغروبها، وطلوع الفجر وانقشاعه، في قراءة دقيقة للواقع وما يحمله من إشارات.

أيها السادة،

إن تزايد نعيق الغربان في هذه المرحلة ليس حدثًا معزولًا، بل قد يكون دالًا على أن أمرًا ما يُحضَّر في الخفاء. ومن هنا، فإن الوعي بهذه الإشارات يصبح ضرورة، لا ترفًا فكريًا.

وعليه، وجب الحذر من الأخطار الكامنة، كالأفاعي وسمومها، والاستعداد لإفشال ما يُدبَّر، من خلال اليقظة، وفهم التوقيت، واستحضار الحكمة في التعامل مع الوقائع، سواء في أماكن ظهورها أو في أزمنتها.)


نورالدين خبابه 11 سبتمبر 2006

إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget