رسالة عتاب إلى ضميري!

خاطرة وجدانية عن الغربة والوفاء وصلة الرحم وعتاب الضمير في زمن كثرت فيه وسائل التواصل وقلّ السؤال.

 

رجل يعيش الغربة ويتأمل معنى الوفاء وصلة الرحم وسط شعور بالوحدة والعتاب الداخلي.

ليست القسوة دائمًا في أن يتعرض الإنسان للظلم من الآخرين، بل قد تكون القسوة أحيانًا في أن يطالبه ضميره بالاستمرار في الوفاء لمن لم يبادلوا الوفاء، وأن يبقى حاضرًا في حياة من غابوا عنه في أكثر لحظات حاجته إليهم، وأن يستمر في قراءة الأعذار للآخرين بينما لم يمنحه أحد منهم فرصة مماثلة.

يا ضميري...

لقد مارست عليّ عتابًا طويلًا تجاوز حدود التنبيه إلى حدود الإرهاق؛ حتى أصبح الخوف من التقصير أشد حضورًا في نفسي من الخوف من الظلم ذاته. وكلما حاولت فهم دوافع هذا العتاب، وجدت أنك تتبنى تصورًا مثاليًا للعلاقات الإنسانية؛ وفاءً يكاد يبلغ حد الإنهاك، وحرصًا بالغًا على صلة الرحم، وتمسكًا بالإخلاص حتى مع المختلفين، واستعدادًا دائمًا للمبادرة بالسؤال والزيارة والتهنئة وجبر الخواطر.

طوال سنوات الغربة الممتدة لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، لم تسمح لي بالانفصال عن هذا الالتزام الأخلاقي. كنت تذكرني بالمواعيد والمناسبات، وتدفعني للاتصال والسؤال والتواصل، حتى في الأزمنة التي كان فيها الاتصال مكلفًا ومرهقًا. كنت أقتطع من حاجاتي الخاصة ما أراه واجبًا تجاه الآخرين، دون أن أشعر أنني أقدم فضلًا، بل كنت أعتبر ذلك جزءًا من مسؤوليتي الأخلاقية.

ثم تغيّر الزمن.

أصبحت وسائل الاتصال متاحة للجميع، وصار الوصول إلى الناس لا يحتاج إلا إلى رغبة صادقة واهتمام حقيقي. ومع ذلك، بدا أن سهولة الوسائل لم تُنتج بالضرورة دفئًا في العلاقات، بل كشفت أحيانًا هشاشتها.

أصبح من الممكن أن يقضي الإنسان ساعات طويلة في متابعة الأخبار والتفاعل مع المحتوى الرقمي، لكنه يعجز عن تخصيص لحظة واحدة لسؤال بسيط أو تهنئة مقتضبة أو كلمة اطمئنان.

وخلال سنوات الغربة، مررت بمحطات صحية ونفسية صعبة، كان بعضها يحتاج إلى مجرد حضور معنوي أو سؤال عابر. لكنني كثيرًا ما وجدت الصمت في انتظاري.

كنت أرى آخرين يحيطون مرضاهم بالرعاية والاهتمام، بينما أواجه أنا فراغًا يشبه الغياب الكامل. عندها بدأت أتساءل: إلى أي مدى يجب أن يستمر الإنسان في تفسير الغياب بالأعذار؟

من يملك حق العتاب حقًا؟
هل هو من ظل يسأل رغم المسافات؟ أم من اعتاد أن يكون حاضرًا فقط حين يحتاج؟
هل الوفاء التزام متبادل، أم عبء يتحمله طرف واحد باسم الأخلاق؟

لقد أقنعتني طويلًا، يا ضميري، بأن ألتمس الأعذار: الانشغال، الظروف، الجهل بما يحدث... لكن الزمن كشف أن كثيرًا من تلك الأعذار لم تكن سوى محاولات لحماية صورة العلاقات في داخلي.

علمتني الغربة أن المسافات الحقيقية ليست جغرافية، بل وجدانية. وأن التكنولوجيا التي صُممت لتقريب الناس لا تستطيع أن تقرب القلوب التي اختارت البعد.

كما علمتني أن بعض العلاقات كانت تستمر فقط لأن طرفًا واحدًا كان يحملها على كتفيه، وما إن توقف حتى ظهر حجم الفراغ.

وكلما حاولت أن أتعامل بالمثل، كنت تذكرني بأن الأخلاق لا تُبنى على ردود الأفعال، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بسلوك الآخرين.

لكنني أعترف لك اليوم أنني تعبت.

لا من الأخلاق، ولا من حب الخير، ولا من الوفاء... بل من حملها وحدي.

لا أطلب منك أن تتخلى عن إنسانيتك، ولا أن تتحول إلى ضمير قاسٍ لا يعرف الرحمة، لكن أطلب منك أن تكون أكثر عدلًا معي.

علّمني أن الوفاء لا يعني الاستنزاف.
وأن صلة الرحم لا تعني أن يتحول شخص واحد إلى جسر دائم يعبر عليه الجميع.
وأن الأخلاق لا تفرض على الإنسان أن يبقى حاضرًا في حياة من لا يشعرون بغيابه.

خمسة وعشرون عامًا من الغربة ليست فترة عابرة، بل عمر كامل وولادة أجيال جديدة.

يا ضميري...
أنا لم أتعب من فعل الخير، بل تعبت من عتابك.

نور الدين خبابه
30 ماي 2026

إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget