حكموا علينا بالإعدام فماتوا قبل أن نموت!

شهادة شخصية من برج الغدير عن إدراج الكاتب في قائمة الإعدام، وكيف نجا من التصفية وغادر الجزائر، وما تركه ذلك من جراح لا تنسى.

على خلفية أن مدينة برج الغدير كانت مركزًا للسلاح على لسان الخبير في الشيتة... عادت بي الذاكرة إلى سنوات الدم والدموع، فتذكّرت بعض الإخوة الذين قُتلوا، والذين اختُطفوا، والذين سُجنوا ظلمًا وعدوانًا... وطار عنّي النوم!

تذكّرت بعض من مات شينة الميتات في حادث مرور، ومن سقط من السقف وهو يقوم بالتجوّال بين القنوات الفضائية، ومن ابتلاه الله بمرض حتى أصبح يتمنى الموت، ومن ابتلاه الله في بيته وبأولاده، ومن ابتلاه الله بالعُقر، ومن ابتلاه الله بمرض الزهايمر...

وتذكّرت بعض من ما زال ينتظر دوره... وأنا على يقين أنّه سينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة إذا لم يتب من ظلمه.

حكموا علينا بالإعدام... ليس في محكمة، وليس بتهمة السرقة، ولا الاعتداء على الأملاك والحُرمات، ولا لخيانة الأمانة... ربما منهم من لم يحاورني يومًا، لم أسرق واحدًا منهم، ولم أعتدِ على حرمة أحد، بل قرّروا تصفيتنا لأننا كنّا نعارض النظام.

وضعوا أسماء أكثر من 40 شخصًا من منطقة الغدير في قائمة حمراء، وكنت العبد الضعيف واحدًا من بينهم... حضّروا المكان الذي كانوا ينوون ردمَنا فيه بعد قتلنا، وهو مكان كانت تستعمله فرنسا إبّان فترة الاستعمار، وجهّزوا أنفسهم لتنفيذ الأمر.

لمّا وصل الخبر إلى قائد الثكنة، شكّ في الأمر، ثمّ استقصى وسأل، فوجد أنّ القضية لا تعدو أن تكون تصفية حسابات، فأخبر قائد القطاع العسكري وقال: لو نعمل على كلام هؤلاء القوّادة نصَفّي نصف أهل الغدير!

أخبرني بهذا الخبر واحد ممن كان يجتمع معهم، التقيتُه بالصدفة في فرنسا، وقال لي: أحمد ربّك راك في الفايدة...

ناهيك عن قصّة الدّابة في الدشرة، ومنعي من جواز السفر... تذكّرت البارحة هذا الأمر وأنا أعود عبر الذكريات المؤلمة التي ما تزال محفورة في ذاكرتي.

تذكّرت قائد فرقة الدرك الوطني الذي قيل لي إنه تُوفي في حادث مرور – رحمه الله – ينحدر من مدينة بالقرب من قسنطينة، لقب عائلته مختاري. جاءني إلى المحل بطنجة سنة 2000 بعد تشميع مقر حركة الوفاء والعدل بالولاية، وقال لي:

سي خبابه، تجي لنا إلى الفرقة أو أتحدّث معك هنا؟

فقلت له: خير؟

كان مع نائبه وهو من مدينة آقبو، يبدو أنه ولد عائلة...

قال:

سي نورالدين، نعرف كلّ تحرّكاتك ونعلم أنك ابن عائلة ونعرف ما لا تعرفه... فيه أولاد الحرام... جاءنا تيلغرام من جهاز المخابرات لِنُحقّق عنك، وهو تمهيد لاعتقالك، إذا هزّيناك راك ما ترجعش لدارك، خمّم في أولادك وشوف مكان آخر قبل أن يطلبوا منّا ذلك؛ لأنهم إذا طلبوا منّي اعتقالك فسأفعل، وسيعدمونك دون محاكمة... والسلام.

حملت حقيبتي ومنذ ذلك اليوم لم أعد إلى الجزائر.

تُوفي والداي رحمهما الله من بعدي ولم أرَ حتى قبرهما، وتُوفي الكثيرون من أقربائي ومعارفي وبعض أصدقائي... وها هم الجزائريون الشرفاء والأحرار كلّ يوم يكتشفون من هو الخائن للوطن ومن هو الوطني الذي يدافع عن وطنه!

حسبنا الله ونعم الوكيل.

نورالدين خبابه
15 فيفري 2016

إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget