بين الذاكرة والتاريخ، وبين النقد والمسؤولية الوطنية، يتجدّد النقاش حول معنى المصالحة وحدود الاختلاف السياسي في الجزائر. يحاول هذا المقال قراءة المشهد من زاوية فكرية تميّز بين خطاب البناء والإصلاح، وخطاب الاستقطاب والاستغلال والتوظيف، في سياق البحث عن مستقبل وطني جامع لا يُقصي أحدًا ولا يعيد إنتاج أخطاء الماضي.
لم تكن الجزائر يومًا مجرّد جغرافيا أو حدود مرسومة على الخريطة، بل كانت دائمًا فكرة حيّة في وجدان شعبها، ومسارًا تاريخيًا تشكّل عبر صراع مستمر بين رؤيتين: رؤية تسعى إلى البناء والتبصّر الاستراتيجي واستحضار الحكمة والعقلانية، وأخرى تغذّي الانقسام وتعيش على منطق الصراع الدائم على السلطة والجاه والعرق. وبين دعاة الفِطنة ودعاة الفِتنة يتحدد مصير الأمم وتتشكّل ملامح المستقبل.
وقد قلنا سابقًا: "الفِطنة نائمة، رحم الله من أيقظها"؛
مسار طويل نحو فكرة واحدة
على امتداد سنوات طويلة، ومن خلال منتدى بلا حدود، ثم قناة المصالحة وإذاعة وطني الرقمية، تطرّقنا إلى ملفات متعددة: التاريخ، السياسة، الإعلام، الشأن الاجتماعي، الذاكرة الوطنية، الصراعات الإقليمية، والتحولات التي أفرزتها الأزمات المتعاقبة.
وظنّ البعض أنّ هذا التنوع يعكس تشتّتًا في الرؤية أو انتقالًا بين القضايا لإغراق النقاش، غير أنّ الحقيقة مختلفة تمامًا؛ فكل تلك الملفات لم تكن سوى طرق متعددة تؤدي إلى هدف واحد: المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة.
فالمصالحة، في تصورنا، ليست شعارًا ظرفيًا يُرفع عند الأزمات، ولا مبادرة سياسية لامتصاص الاحتقان أو ربح الوقت، بل مشروع مجتمع طويل المدى يهدف إلى حماية الدولة من التصدّع، وصون المجتمع من إعادة إنتاج صراعات الماضي التي رأينا بعض مظاهرها حتى داخل الحراك الشعبي.
إنها عملية وعي جماعي قبل أن تكون قرارًا سياسيًا، ومسار بناءٍ لأجل الأجيال القادمة عبر تراكمات إيجابية، لا مجرد تسوية بين أطراف متنازعة على السلطة والمغانم.
وقد عبّرنا عن ذلك بقولنا:
"تنتقم الفكرة من سارقها ولو بعد حين"؛
لأنّ المصالحة ليست ملكًا لسلطة ولا شعارًا لمرحلة، بل ضرورة تاريخية تفرض نفسها مهما تأخر الاعتراف بها.
الفِطنة والفتنة: مفهومان يصنعان الاتجاه
حتى لا يبقى الحديث نظريًا، فإنّ الفرق بين الفِطنة والفتنة هو في جوهره فرق بين مشروع بناء ومشروع تفكيك.
الفِطنة
هي النباهة والإدراك والاستشراف، وهي المنطق والصدق والأخلاق والإخلاص والعقلانية والعدل والموضوعية والمنهجية. لكنها قبل كل شيء إدراكٌ لحجم المأساة الوطنية وتنبيهٌ للناس وتحسيسهم حتى لا تتكرر.
الفِطنة تعني قراءة التاريخ بوعي، وتشخيص الأخطاء بشجاعة، ومصارحة المجتمع بالحقيقة مهما كانت مؤلمة، لأن الوقاية من الانهيار تبدأ بالاعتراف بأسبابه.
إنها دعوة إلى التعلم من الألم، لا إلى دفنه؛ وإلى بناء المستقبل على الوعي لا على النسيان القسري.
الفِتنة
أما الفتنة فهي النقيض الكامل:
بيعٌ للأوهام، وتضليلٌ للرأي العام، ولعبٌ بالعاطفة الجماعية، واستعمال الوطنية الزائفة كشعارٍ للاستهلاك السياسي. وهي تقوم على الشعبوية، والتخوين، والمزايدة، وتغذية الانقسامات، وإغراق الساحة بالرداءة والفساد الأخلاقي حتى يُميَّع المجتمع ويفقد مناعته الفكرية.
وحين يضعف الوعي، يستيقظ المجتمع فجأة على محرقة جديدة كان يمكن تفاديها لو انتصرت الفِطنة على الفِتنة.
قراءة الماضي شرط عدم تكراره
عندما فتحنا ملفات حساسة عبر الحوارات والنقاشات، لم يكن الهدف إثارة الجدل أو تصفية الحسابات، بل محاولة فهم الجذور العميقة للأزمات التي تعود بأسماء مختلفة كل مرة.
فالأمم التي ترفض قراءة تاريخها بصدق تبقى أسيرة تكراره.
الفِطنة تواجه الحقيقة مهما كانت مرارتها، أما الفِتنة فتعيش على إنكارها أو توظيفها لإشعال نزاعات جديدة.
وهنا يظهر الخطر الحقيقي: ليس الاختلاف في الآراء، بل تحويل الاختلاف إلى قطيعة، والنقد إلى تخوين، والذاكرة إلى أداة ابتزاز دائم.
وقد لخّصنا ذلك بقولنا:
"الكلام المعسول استراتيجية لتأجيل الحلول"؛
لأن بعض الخطابات لا تهدف إلى الإصلاح، بل إلى إدارة الأزمة حتى تستمر.
المصالحة كخيار استراتيجي لا كتنازل
لقد أثبتت التجارب، في الجزائر وفي غيرها، أنّ المجتمعات التي تفشل في تحقيق مصالحة عميقة تبقى عرضة للاستقطاب الخارجي والصراعات الداخلية المتجددة، وتعيش في مناخ دائم من عدم الثقة، حيث يهاجر الشباب بحثًا عن الاستقرار المفقود.
لذلك لم يكن الحديث عن المصالحة ضعفًا ولا تنازلًا عن الحقوق، بل دفاعًا استراتيجيًا عن الدولة نفسها وعن وحدة شعبها ومستقبل أجيالها.
فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالخوف، بل بالعدالة؛ ولا بالقوة وحدها، بل بالثقة المجتمعية.
بين مشروعين للمستقبل
إن الجزائر اليوم بحاجة إلى وعي جماعي مبني على المعرفة، يتجاوز منطق الغلبة نحو منطق الوطن الجامع؛ حيث تتعايش الذاكرة مع العدالة، والنقد مع المسؤولية، والاختلاف مع الاحترام.
فالوطن لا يُبنى بالصوت الأعلى، بل بالعقل الأهدأ؛ ولا يحفظه الإقصاء والتخوين، بل الحكمة والعدالة والاستقرار القائم على ثقافة التسامح، لا الأمن المؤقت الذي تفرضه القوة؛ لأن القوة حين تهتز قد يهتز معها المجتمع كله.
وقد قلنا في هذا السياق:
"أراهن على نهضته ويراهن على سقوطي" — وهي معادلة تختصر الصراع بين من يؤمن بالمستقبل ومن يستثمر في الأزمات.
السؤال الذي لا يمكن تأجيله
يبقى السؤال الحقيقي قائمًا:
هل استثمرنا في بناء الإنسان أم في بناء العمارات؟
وهل نختار طريق الفِطنة التي تُصلح وتجمع وتنهض بالوطن، أم طريق الفِتنة التي تُفرّق وتُنهك وتبدّد الفرص؟
ذلك هو التحدّي الذي يواجه الجزائر اليوم، وهو أيضًا الامتحان الأخلاقي لكل من يدّعي العمل من أجلها.
نورالدين خبابه 18 فيفري 2026

إرسال تعليق