لم أكن أتوقع يومًا أن أسمع، أو أن أجد، صحفيًا يحاور نفسه بأسماء مستعارة في أكثر من منصة، إلا في عوالم الخيال. خاصة عندما يتعلق الأمر بكشف الحقيقة. وكنت أعتقد أن ذلك ضربٌ من ضروب السخرية التي لا يقبلها العقل ولا يصدقها الواقع.
غير أن عصر الإنترنت ومحركات البحث أماط اللثام عن بعض هذه الممارسات، وكشف بعض النماذج البشرية، ووضعها أمام مرآة الرأي العام، لتظهر أحجامها الحقيقية بعيدًا عن الزخرفة الإعلامية التي صنعت منها، في وقت من الأوقات، تماثيل يُراد لها أن تُقدَّس، وبعيدًا عن صحافة فقدت مهنيتها، وأصبحت تردد خطابًا سلطويًا يخدم مصالح ضيقة.
لقد أسهمت المنتديات وبعض المواقع التي تحترم نفسها وقرّاءها في إحداث نقلة نوعية في توعية الرأي العام، من خلال الطرح الجاد والمتوازن، الذي يجمع بين حرية التعبير والانضباط، ويتيح تكافؤ الفرص في عرض الآراء، مما يسمح بتمييز الجيد من الرديء في وقت وجيز.
في المقابل، لا تزال بعض الممارسات الإعلامية القائمة على الكذب والتدليس وتشويه الحقائق مستمرة، في محاولة لتوجيه الرأي العام بطرق ملتوية. ومن بين هذه الممارسات، أن يقوم الصحفي بنشر موضوع، ثم يتدخل بأسماء مستعارة لكتابة ردود وهمية، لإيهام القارئ بوجود تفاعل واسع مع ما يكتب.
هذه الظاهرة لا تعكس فقط خللًا مهنيًا، بل تكشف عن أزمة أخلاقية عميقة في الممارسة الإعلامية.
كنت أحفظ مثلًا شعبيًا، رغم ما فيه من حدة، إلا أنه يعبر بدقة عن هذه الحالة، مفاده أن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها مهما طال الزمن، وأن الزيف لا بد أن ينكشف.
ومع ذلك، لا يمكن التعميم في الحكم على استخدام الأسماء المستعارة؛ فهناك حالات مبررة لذلك. فقد يضطر الصحفي إلى استعمال اسم مستعار في ظروف الحرب، أو في سياقات تتسم بالقمع وغياب القانون، من أجل تسريب معلومات حساسة تتعلق بالأمن أو الفساد. كما قد تلجأ بعض الفئات، كمن يخشون على سمعتهم أو أمنهم، إلى هذا الأسلوب حفاظًا على أنفسهم.
لكن الإشكال الحقيقي يكمن في توظيف الاسم المستعار لأغراض تضليلية، كأن يحاور الصحفي نفسه ليصنع رأيًا عامًا وهميًا، أو ليُضخّم حضوره وتأثيره، أو لتحقيق مكاسب شخصية، كالحصول على تعاطف أو موقع إعلامي أو حتى امتيازات سياسية.
والأخطر من ذلك، أن يُقدَّم هذا الشخص في بعض المنصات على أنه خبير أو باحث، بينما يستقي معلوماته من مصادر غير موثوقة، ويعيد إنتاجها بأساليب توحي بالسبق الصحفي.
كما أن تضخيم بعض الشخصيات إعلاميًا في وقت وجيز، دون رصيد حقيقي، يعكس خللًا في معايير التقييم الإعلامي، خاصة عندما يتم الترويج لها عبر أخبار مثيرة أو ادعاءات غير دقيقة، بهدف صناعة "نجم إعلامي" في وقت قياسي.
إن هذه الممارسات، في مجملها، تطرح تساؤلات جدية حول أخلاقيات المهنة، وحول دور الإعلام في تشكيل الوعي، بين من يسعى إلى التنوير، ومن يوظف الوسائل ذاتها للتضليل.
وفي الأخير، يبقى المعيار الحقيقي هو الصدق والإخلاص في العمل، كما علمنا التاريخ:
"من عمل على إرضاء الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن عمل على إرضاء الناس سخط الله عنه وأسخط عنه الناس."
نور الدين خبابه 01 أفريل 2008

إرسال تعليق