من المصالحة الجزائرية إلى SULH | صُلْح... هل يساعد الذكاء الاصطناعي الإنسان على الحوار؟

من المصالحة الجزائرية إلى SULH: تجربة تستكشف كيف يمكن للذكاء الاصطناعي دعم الحوار والوساطة والمساعدة في بناء السلام.

مشروع SULH صُلْح وتوظيف الذكاء الاصطناعي في دعم الحوار الإنساني والوساطة والوقاية من النزاعات وبناء السلام.
من تجربة المصالحة الجزائرية إلى عصر الذكاء الاصطناعي، ظل السؤال واحدًا: كيف يمكن إعادة الحوار بين المختلفين  والمتصارعين؟ من هذا المسار تولدت فكرة SULH | صُلْح، كمشروع يستكشف دور التكنولوجيا في مساعدة الإنسان على بناء الحوار والوساطة والسلام.

منذ سنوات طويلة، يشغلني سؤال بسيط في صياغته، لكنه شديد التعقيد في الواقع:

كيف يمكن أن نعيد فتح باب الحوار عندما يبدو أن كل الأبواب قد أُغلقت؟

في الجزائر، عشتُ عن قرب مرحلة كانت فيها الأزمة والمصالحة في قلب النقاش العام، بعد النفق الذي سيقت إليه الجزائر وشعبها. ولم يكن اهتمامي بالمصالحة موقفًا عابرًا أو مرتبطًا بحدث واحد، بل تحول مع مرور السنوات إلى مسار من التفكير والحوار والعمل الإعلامي.

كانت إحدى المحطات المبكرة في هذا المسار خلال الانتخابات الرئاسية الجزائرية سنة 1999، عندما ترأست في ولاية برج بوعريريج، مسقط رأسي، لجنة مساندة الراحل الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، المرشح آنذاك لرئاسة الجمهورية، والذي احتل الحوار والمصالحة مكانة مهمة في مشروعه السياسي.

بعد هجرتي إلى فرنسا سنة 2001، لم تنقطع صلتي بهذه الأسئلة. وفي سنة 2006، وبعد المصادقة على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، بدأت من خلال منتدى بلا حدود طرح رؤيتي ومناقشة قضايا الحوار والمصالحة، في وقت كانت لديّ فيه تحفظات على المقاربة الرسمية التي رأيتها آنذاك انتقائية وغير كافية لبناء مصالحة حقيقية وشاملة.

ومنذ 2007، فتحت ورشات للنقاش حول هذه القضايا، وواصلت العمل من خلال الحوارات المباشرة والمحتوى المرئي على الإنترنت، محاولًا فتح مساحات للكلام والاستماع في ملفات كان الاقتراب منها أحيانًا صعبًا.

وفي سنة 2011 أسست إذاعة وطني، التي أجريت من خلالها عددًا من الحوارات الحصرية حول الأزمة الجزائرية والمصالحة، وأتحت فيها المجال لشخصيات وفاعلين كانت أسماؤهم في مراحل معينة ضمن دائرة المحظور.

من التجربة الجزائرية إلى سؤال أوسع

جاءت سنة 2011 بتحولات عميقة في المنطقة العربية. خرجت الشعوب إلى الشوارع، وسرعان ما دخل عدد من البلدان في مسارات دامية من الصراع والعنف والانقسام.

عندها عادت التجربة الجزائرية إلى الواجهة، وعاد معها سؤال ظل يرافقني لسنوات: كيف تخرج المجتمعات من أزماتها دون أن تعيد إنتاج دائرة الدم والكراهية؟

في هذا السياق، أسست سنة 2012 «المصالحة الجزائرية» كمنظمة دولية، بهدف توسيع فضاء الحوار والتفكير في سبل تجاوز الأزمات، والاستفادة من التجربة الجزائرية بما حملته من نجاحات وإخفاقات ونقائص.

لم يكن الهدف تقديم التجربة الجزائرية باعتبارها نموذجًا جاهزًا يمكن نسخه في بلدان أخرى، بل استخلاص الدروس منها، والدفاع عن فكرة أؤمن بها منذ سنوات: لا يمكن بناء سلام دائم بالإقصاء، ولا يمكن إغلاق جراح المجتمعات من دون الاستماع والحوار والبحث عن أرضية تسمح للناس بالعيش معًا من جديد.

وإلى جانب العمل الإعلامي والتنظيمي، واصلت الكتابة والنشر والنقاش العام في موضوعات كان يجمعها هدف واحد: التواصل، وطي صفحة الأحقاد، والدفع نحو مناخ تغلب فيه لغة الحوار والمنطق والعقل على لغة الرشاش.

العالم تغيّر… فهل تتغير أدوات المصالحة؟

اليوم، لا أريد أن أكرر الأسئلة نفسها بالأدوات نفسها، لأن العالم تغير.

الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة غير مسبوقة. والتقنيات الرقمية أصبحت تؤثر في الطريقة التي نتواصل بها، ونختلف بها، ونبني بها تصوراتنا عن الآخرين.

لكن هذه التكنولوجيا تحمل مفارقة واضحة: يمكن أن تساعد الإنسان على الفهم والتواصل، ويمكن في الوقت نفسه أن تتحول إلى أداة للاستقطاب والتضليل وتعميق الانقسامات.

ومن هنا يبرز بالنسبة إليّ سؤال جديد:

هل يمكن أن نستخدم التكنولوجيا لمساعدة الإنسان على الحوار، بدل أن تصبح أداة أخرى تزيده انقسامًا وتخريبًا؟

من هذا السؤال يأتي SULH | صُلْح.

ما هو SULH | صُلْح؟

SULH مشروع مستقل يستكشف إمكانات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة الحوار الإنساني، والوساطة، والوقاية من النزاعات والمساعدة في حلها.

ولا أنطلق فيه من فكرة أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحل محل الإنسان أو الوسيط، ولا أن يتحول إلى قاضٍ يقرر من هو المحق ومن هو المخطئ.

بل أنطلق من مبدأ أعتبره أساسيًا:

التكنولوجيا تساعد الإنسان، لكنها لا تحلّ محلّه.

السؤال هو: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد أطراف الخلاف على فهم مواقف بعضهم بصورة أفضل؟ هل يستطيع المساعدة في تحديد نقاط الخلاف والتقارب؟ وهل يمكن أن يوفر للوسيط أدوات إضافية تساعده على فتح مساحات للحوار والبحث عن أرضية مشتركة؟

هذه بعض الأسئلة التي أريد أن يستكشفها SULH.

ولهذا فإن المشروع ليس إعلانًا عن امتلاك حل سحري أو منظومة جاهزة لإنهاء النزاعات، بل مساحة للبحث والتجريب والحوار والتعاون.

وهو مفتوح أمام الباحثين والوسطاء والجامعات والمتخصصين في حل النزاعات وبناء السلام، وكذلك المختصين في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، وكل من يرى أن التكنولوجيا يمكن أن تُستخدم لتقريب الإنسان من الإنسان بدل دفعه بعيدًا عنه.

منذ تجربة 1999، مرورًا بمنتدى بلا حدود، والحوارات منذ 2007، وإذاعة وطني، ثم تأسيس المصالحة الجزائرية، تغيرت الوسائل كثيرًا.

أما السؤال الإنساني الذي رافقني، فما زال قائمًا: كيف نساعد المختلفين على أن يتحدثوا من جديد؟

ربما لا تستطيع التكنولوجيا أن تصنع الصلح. لكنها قد تساعد الإنسان على أن يجد الطريق إليه.

Noureddine Khababa | نوردين خبابة

مؤسس SULH | صُلْح


إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget