عمي السعيد وابن عمه محمد... وجهان من ذاكرة القرية

صورة قديمة تستعيد سيرة عمي السعيد خبابه وابن عمه محمد، وملامح من الذاكرة الاجتماعية والإنسانية للقرية.

تحفظ الصور القديمة ما تعجز الذاكرة أحيانًا عن الاحتفاظ بتفاصيله، وتعيد إلى الواجهة وجوهًا وأحداثًا طواها الزمن، لكنها ظلت حاضرة في الوجدان. ومن بين وجوه القرية التي بقيت راسخة في الذاكرة، عمي السعيد وابن عمه محمد، رحمهما الله؛ رجلان من جيل عاش ظروفًا قاسية، وترك وراءه حكايات إنسانية تستحق أن تُروى وتُنقل إلى الأجيال.

كانا من جيراني، وتعود هذه الصورة التي تجمعهما إلى أواخر ستينيات أو مطلع سبعينيات القرن الماضي. وقد جرى تحسين جودتها حفاظًا عليها، بوصفها وثيقة بصرية وشاهدًا على جانب من الذاكرة الاجتماعية والإنسانية للقرية.

كان عمي السعيد من حفظة كتاب الله، ومن الذين تتلمذوا على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس. وقد ألمّ به المرض في مرحلة صعبة من تاريخ البلاد، وفي ظل ظروف الاحتلال، وقلة الإمكانات، وضعف الرعاية الصحية، فضلًا عن انتشار الجهل وبعض المعتقدات والممارسات التي كانت سائدة آنذاك، تدهورت حالته الصحية وفقد بصره. ومع اشتداد معاناته، دخل في حالة من العزلة والدروشة، وظل مكفوفًا إلى أن توفاه الله.

وكان، رحمه الله، يردّد بعض العبارات والحِكم التي بقي جانب منها راسخًا في الذاكرة الجماعية لأهل القرية. وقد أوردتُ بعضها في روايتي «ليلة الانقلاب في الجزائر»؛ إذ بدت لي، بعد مرور السنين، وكأنها تستشرف شيئًا مما عشناه بالفعل خلال سنوات التسعينيات، بكل ما حملته تلك المرحلة من أحداث مؤلمة واضطرابات وتحولات عميقة.

أما ابن عمه محمد، رحمه الله، فقد كان يعاني إعاقةً في إحدى رجليه، وكان، على الرغم من معاناته، من ألطف الناس خُلقًا وأطيبهم معشرًا. وقد زادت الظروف الاجتماعية والمعيشية القاسية من صعوبة حياته مع الإعاقة، فكان يمشي متكئًا على الجدران ولا يبتعد كثيرًا عن محيط بيته. ولم تكن الإعاقة وحدها مصدر معاناته، بل كان يتأثر كذلك بما يسمعه أحيانًا من بعض المارة من عبارات ساخرة أو جارحة، في زمن لم يكن فيه الوعي بحقوق ذوي الإعاقة واحترام مشاعرهم بالمستوى الذي نأمله اليوم.

ظل محمد واحدًا من الوجوه المألوفة في حي الخوابيب، إلى أن انتقلت عائلته إلى مدخل الغدير، حيث كانت تحوز أراضي شاسعة. غير أن الحياة هناك لم تكن يسيرة؛ فالقرية كانت آنذاك تفتقر إلى كثير من المرافق والخدمات الأساسية، من كهرباء وغاز وهاتف وطرق مهيأة، فضلًا عن جوانب أخرى من العزلة وصعوبة الحياة اليومية. ومع انتقال العائلة، غاب محمد عن الأنظار وتباعدت أخبارنا عنه، إلى أن بلغنا، بعد سنوات، خبر وفاته.

إن نشر مثل هذه الصور لا يهدف إلى مجرد استعادة وجوه غابت عن أعيننا، ولا إلى استحضار الماضي بدافع الحنين وحده، بل هو محاولة لحفظ الذاكرة المحلية وتوثيق سِيَر أناس بسطاء لم تجد تفاصيل حياتهم طريقها إلى الكتب والسجلات. فالتاريخ لا تصنعه الأحداث الكبرى والشخصيات المعروفة وحدها؛ بل تسهم في تشكيله أيضًا حياة الناس العاديين، بمعاناتهم وأفراحهم وعلاقاتهم وحكاياتهم اليومية.

ولعل هذه الصور وما يصاحبها من شهادات وذكريات تساعد على إنقاذ جزء من التاريخ الاجتماعي للقرية من النسيان، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة للتعرّف إلى حياة من سبقوهم، وإلى الظروف التي عاشوا فيها وما واجهوه من مشقة وحرمان.

رحم الله عمي السعيد وابن عمه محمد، ورحم جميع من رحل من أهل القرية، وحفظ ذكراهم في قلوب من عرفوهم، وجعل ما قدّموه من خير وعلم وحسن معاملة في ميزان حسناتهم.

المقالة قابلة للإثراء والتقويم ريثما أستجمع تفاصيل الحكاية...

نورالدين خبابه 27 أوت 2026

إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget