تمرّ خمسة وعشرون عامًا على رحيل والدي، رحمه الله، وما زالت صورة الوداع الأخير حاضرة في ذاكرتي، كأنها حدثت بالأمس.
غادرت الجزائر مُكرهًا، وتركت خلفي والدي على فراشه، وأبنائي وزوجتي وأمّي، رحمها الله. لم تكن الهجرة يومها اختيارًا حرًّا، ولم أكن أعلم أن ذلك الوداع سيكون آخر لقاء بيني وبين أبي.
كان المرض قد أخذ من ذاكرته الكثير، لكنه حين ودّعني بكى، وبارك لي ثلاث مرات. بقيت تلك اللحظة ترافقني طوال سنوات الغربة، وبقيت كلماتُه القليلة أبلغَ من كل ما يمكن أن يقال.
واليوم، بعد ربع قرن من رحيله، وأنا لم أعد بعد إلى وطني، أستحضر صورته وكرامته وأصالته، وأكتب إليه هذه الكلمات. أكتب عن أبٍ عاش يتيمًا كريمًا، وعن وطنٍ لم يغادر قلبي، وعن ذكرياتٍ لا تمحوها المسافات ولا السنوات.
هذه القصيدة ليست إلا وفاءً لذكراه، ودعاءَ ولدٍ يرجو أن يصل ثوابه إلى أبيه
كتبتها قبل يومين، وأنا أراجع أول قصيدة كتبتها عن والدي باللغة الفرنسية سنة 2005، وكانت من أولى محاولاتي الشعرية بتلك اللغة.
وحين شرعت في ترجمتها، اكتشفت ركاكة بعض عباراتها، لكن مفرداتها أعادت إليّ تلك الأشجان التي عبّرت عنها يومها، وأنا أنزف ألمًا وحزنًا على فراقه.
وبعد كل هذه السنوات، وجدتني أكتب من جديد، وكأن الكلمات القديمة أيقظت في داخلي وجعًا لم تُطفئه الغربة، ولم يمحه الزمن.
رحم الله والديّ، ورحم جميع من رحلوا عنا وتركوا في قلوبنا أثرًا لا يزول.
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
رَحِمَ اللهُ
وَالِدَيْكَ ...
وَمَنْ عَلَّمَكْ
رَحِمَ اللهُ
مَنْ كانَتْ ساهِرَةً
تَبْني مَعَكْ
تَرَبَّيْتَ يَتيمًا، وَعِشْتَ كَريمًا
وَالنّاسُ رَغْمَ فَقْرِكَ...
مَدينونَ لَكْ
عَلامَتُكَ أَصالَةْ…
وَعِزَّتُكَ شَهامَةْ!
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
إذا حَضَرْتَ مَجْلِسًا...
حَيَّاكَ النّاسْ
وَإِذَا غِبْتَ،
سَأَلَ النّاسُ
وَإذا صَمَتَّ...
اِحْتارَ النّاسْ
وَإذا تَكَلَّمْتَ،...
أَصْغى الجَميعُ لَكْ
ما كانَ صَمْتُكَ عَجْزًا ...
ولا كانَ قَوْلُكَ عابِرًا
حينَ تَسْكُتُ،
تَتَحَدَّثُ الهَيْبَةُ
،وَالمُتَخاصِمونَ
يَرْجِعُونَ لَكْ
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
غادَرْتُ الْبَلَدَ مُكْرَهًا
سافَرْتُ، وَقَلْبي مَعَكْ
تَرَكْتُ أَبْنائي، وزَوْجَتي…
وجَدَّتَهُمْ
والخِيارُ ساعَتَها...
لَمْ يَكُنْ لي ولَكْ
حَمَلْتُ حَقيبَتي،...
وفي قَلْبي بِلادي...
مَشَيْتُ،
وأنا ألْتَفِتُ لَكْ
كُلُّ خُطْوَةٍ حُبْلى
تَحْمِلُ فِي صَدْري ..
مَاهُوَ نَحْتٌ لَكْ
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
وَدَّعْتُكَ على الفِراشِ باكِيًا
وكانَ آخِرَ العَهْدِ لَكْ
بارَكْتَ لي ثَلاثًا… ثَلاثًا
وكَأَنَّ هِجْرَتي رَغْبَتَكْ
بَكَيْتَ وَأَبْكَيْتَني مَعَكْ
ومَشَيْتُ بِحَقيبَتي مُمَزَّقًا
وما كُنْتُ أَدْري أَنَّ آخِرَ نَظْرَةٍ
سَتَبْقى
كُلَّ السِّنينِ مَعَكْ
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
بَعْدَ نِصْفِ قَرْنٍ أكْتُبُ
...عَنْ قَرْيَتِي
...عَنْ مَدْرَسَتِي
وَالجَزائِرِ
عَنْ غُرْبَةٍ أَبْعَدَتْني
وذاكِرَةٍ ما زالَتْ تَحْفَظكْ
أَبْكيكَ
وأَذْكُرُ مَنْ مَضَوْا
ومَنْ رَحَلوا مَعَكْ
وأَكْتُبُها دُعاءً
فَلَعَلَّ دَعْوَةَ وَلَدٍ
ْتَصِلُ لَك
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
أَبي… ما أَرْوَعَكْ!
نورالدين خبابه
09 أكتوبر 2026

إرسال تعليق