لا أخفي سرًّا إذا قلت إنَّ من أنصار أحمد طالب الإبراهيمي سنة 1999، أثناء جمع التوقيعات وأثناء الحملة الانتخابية، كانوا مناضلين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقيادات كذلك.
عندما أعلن أحمد طالب الإبراهيمي عن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية سنة 1999، تقدّمتُ بمفردي لمساعدته في جمع التوقيعات على مستوى ولاية برج بوعريريج، ولم أكن أبدًا أفكّر أن أكون رئيسًا للجنة، لا على مستوى البلدية ولا على مستوى الولاية، ولا أن أطمح لتقلّد منصب حال فوزه، أو أتطلّع لأن أكون عنصرًا في حركته، أو أبحث عن موقع أو مكانة.
الشخص الوحيد الذي دار بيني وبينه نقاش حول موضوع دعم أحمد طالب الإبراهيمي وقتها قبل إقدامي على جمع التوقيعات هو أخي الأكبر، الذي كان منتميًا إلى حزب جبهة التحرير الوطني، وكان ممتعضًا حينها من اختطاف الحزب من طرف أشخاص غرباء عن الخط الأصيل للجبهة، لاسيما بعد الذي جرى للدكتور عبد الحميد مهري رحمه الله في المؤامرة الأمنية المشهورة، وكانت استقالته من الحزب جاهزة.
كان الجو الأمني مكهربًا، وكانت معارضة نهج النظام آنذاك علنًا تُعدّ مغامرة وتؤدّي بصاحبها – في أحسن الأحوال – إلى السجن بتلفيق تهمة، أو الطرد من العمل، أو مضايقات شتى.
كنت وقتها أدير كشكًا متعدّد الخدمات بدائرة برج الغدير، بعدما تم طردي من العمل من ثانوية برج الغدير سنة 1994.
كان محلي الكائن بحي السعادة تحت أعين أجهزة الأمن، لكونه له علاقة بالاتصالات، لاسيما وأنني كنت أوّل من استعمل جهاز الفاكس آنذاك في برج الغدير، وكذلك الإنترنت.
وما جعل المحل يصبح هدفًا وتحت المراقبة الدائمة هو بعض بيانات المساندة التي كانت تردني حتى من الخارج، كون أن رقم الفاكس الخاص بي نُشر على صفحات بعض الجرائد ضمن الترويج للجان المساندة بحكم أنني رئيس اللجنة على مستوى الولاية.
بعد انسحاب المرشّحين من الانتخابات الرئاسية، اتصل بي أحمد طالب الإبراهيمي في شهر أفريل سنة 1999، حيث قام بتهنئتي بعد عودتي من أداء فريضة الحج مع الوالدة رحمها الله، وعرض عليَّ فكرة إنشاء الحركة.
كان أمامي خياران: إمّا أن أنسحب، وبالتالي تضييع كل الجهود التي بُذلت وقتها وإهداؤها للانتهازيين الذين كان بعضهم يتربّص، وقد حضّر نفسه لاقتطافها، وإمّا أن أواصل النشاط وأحافظ على صيانة الجهود التي قُدّمت إلى غاية إقامة الحجة على النظام مرة أخرى، والدفع إلى تغيير الأوضاع.
فتحت نقاشًا مع بعض الإخوة الذين ساهموا معي في جمع التوقيعات، وهم من التيار الوطني وأصحاب التوجّه الإسلامي المعتدل، ومنهم من ليس له أيّ انتماء حزبي، ووجدت معارضة كبيرة من أنصار الجبهة الإسلامية لتأسيس حزب جديد دون استشارة القيادة؛ لأن ذلك – حسبهم – سيضعف الحزب الذي كان لا يزال يتمتّع بقوة شعبية غير مفعَّلة قبل اغتيال عبد القادر حشاني رحمه الله، ويساهم في عملية الاحتواء المقصودة.
كما وجدت معارضة من الإخوة الذين تأثّروا بموقف الانسحاب، واعتبروا أن تأسيس حزب والنضال فيه مضيعة للوقت، وفي المقابل وجدت من ساند ومن تفهّم الوضع.
بعد الشروع في عملية تأسيس الحركة، كان من بين الأسئلة التي طرحها عليَّ محمد السعيد – واسمه الحقيقي محند أوسعيد بلعيد – والذي أصبح أمينًا عامًا لحركة الوفاء والعدل:
من ترى أن له تأثيرًا كبيرًا على قاعدة الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ علي جدي أم عبد القادر حشاني؟
فقلت له دون تردّد: عبد القادر حشاني.
كنت حينها أعلم أن السؤال لم يكن اعتباطيًا، وكنت أنشط بصدق مع توخّي الحذر والعمل على ألّا تُسرق تضحيات الناس.
بعد أن قررت خوض الانخراط في الحركة، اتصل بي رئيس بلدية المسيلة السابق للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وجاءني إلى مدينة برج الغدير مع أحد مرافقيه، وجلسنا في المقهى المقابل لمسجد عمر بن عبد العزيز، وتناقشنا حول موضوع الحركة. وكنت قد التقيت قبله برئيس بلدية سطيف ونائبه الأخ حسان محماح في برج بوعريريج، ومن ثَمَّ اقترح عليَّ – قبل أن نعقد المؤتمر التأسيسي الذي كان مقرَّرًا في شهر رمضان سنة 1999 والموافق لشهر ديسمبر – لقاءً مع الأخ عبد القادر حشاني مع مجموعة من الأعضاء المؤسِّسين، قصد معرفة موقف الجبهة الإسلامية بصورة مباشرة، وكذا الاستماع إليه وإلى اقتراحاته.
فقبلتُ باللقاء وكنت سأكون سعيدًا باللقاء معه، وكنت أنتظر مكالمة هاتفية لتحديد مكان اللقاء، ولكن إرادة الله سبقت، فاغتيل عبد القادر حشاني رحمه الله!
أُصبت بصدمة كبيرة، واقتنعت بعدها بأن العمل السياسي في الجزائر مع العصابة الحاكمة لم يعد ممكنًا، ثم جاء بعدها موعد حظر الحركة الذي رسّخ قناعتي أكثر، فهاجرت بعدها اضطرارًا بسبب عدة تهديدات، ومنذ ذلك الحين تركت العمل الحزبي وطلّقته إلى الأبد.
نورالدين خبابه
22 نوفمبر 2019

إرسال تعليق