غاضني الجنرال توفيق!

نص مؤلم يسترجع جراح المأساة الجزائرية والمنفى والمختطفين والضحايا، وينتهي برسالة بأن ذاكرة الجزائريين تحتفظ بكل شيء ولن تنسى.

رسم رقمي لرجل جزائري في المنفى يجلس أمام طاولة في غرفة معتمة، ينظر من النافذة إلى مشاهد المأساة في الجزائر ووجه جنرال يهيمن على المشهد، في أجواء حزن وذاكرة ثقيلة.

غاضني الجنرال توفيق!

تفكّرت اليوم اللي هجرت فيه البلاد وخليت أولادي،

خليتهم في دشرة، كيف العصافير في العشّ، والأفعى تتربّص بهم...

تفكّرت من بعدها وفاة الوالد الله يرحمو، اللي ما حضرتش الجنازة تاعو.

تفكّرت الناس اللي تزوّجوا ونجحوا وما حضرتش أفراحهم،

وغاضني الجنرال توفيق...

تفكّرت الأولاد اللي تولدوا من العائلة تاعي وكبروا وأنا ما نعرَفهمش.

تفكّرت الناس اللي خليتهم صغار وتزوّجوا وولّوا بأولادهم.

تفكّرت الناس اللي وَلّاو من بعدي أجداد.

تفكّرت الأساتذة والأصدقاء وشيوخ القرية اللي ماتوا،

في الوقت اللي كانت خليدة ترقص في المهرجانات،

سيّما مهرجان باناف اللي وصل حتى للبلدية اللي أنحدر منها،

وغاضني الجنرال توفيق...

تفكّرت الناس اللي تمّ الاختطاف تاعهم، ومنهم عيسى بتيش

اللي حكالي مصيرو قبل ما يخطّفوه.

تفكّرت خويا محمد خيتاتي اللي قطعوا له راسو

وحكالي قصتو شافها في منامة...

تفكّرت زوّار الليل، وتفكّرت أحكام الإعدامات

اللي كانت تُطلق في المحاكم الخاصة دون تحقيق...

تفكّرت الناس اللي لفّقوا لهم تهمة المطار وعدموهم،

تفكّرت التفجيرات، والاعتقالات، والاغتيالات، والسجون...

غاضني الجنرال توفيق...

تفكّرت الأئمّة التقاة اللي قتلوهم فوق المنابر،

وتفكّرت الأحرار والحرائر اللي اغتصبوهم...

تفكّرت الناس اللي كانوا يسلّسلوا فيهم ويعذّبوا فيهم

وأفواههم مُكمّمة...

وتفكّرت مئات آلاف اللاجئين اللي واحد ما راهو سامع بيهم...

وصرت نحسب:

اشحال من ربيع؟

واشحال من عيد؟

واشحال من رمضان؟

واشحال من موسم؟

واشحال من عطلة قضيتهم بعيد على الأهل تاعي؟

وغاضني الجنرال توفيق...

تفكّرت أمّيمتي اللي ماتت،

كانت تقول لي: يا ولدي وقتاش تروح؟ حابة نشوفك برك ونموت...

تفكّرت كي كنت صغير وكنت نرقد في حجرها

وهي تقشّر لي حبّة رُمّان.

تفكّرت بعض المرضى، كان منهم اللي كي تشوفو تقول أسد،

ومن الظلم والتفريط وَلّى كي الهيكل...

تفكّرت صديقي محمد الناجي اللي حكمُو الكونسار ومات.

تفكّرت بن عمّي حمّود اللي قتلوه ورماوه في بركة تاع ماء.

تفكّرت الناس اللي طردوهم من العمل ومن الوظيفة.

تفكّرت المشرّدين، تفكّرت المطلقات اللي وَلّوا يْباتو في الطرقات...

تفكّرت اليتامى والمعاقين من ضحايا المأساة،

وتفكّرت أكثر من 200 ألف قتيل،

وأكثر من 20 ألف مختطف...

وغاضني الجنرال توفيق...

تفكّرت الطّلّابة اللي وَلّوا بالاحتيال أرباب مال...

تفكّرت المتاجرين بالمخدّرات اللي وَلّوا يدرّسوا للناس في البرلمان في الأخلاق...

وغاضني الجنرال توفيق...

تفكّرت وسائل الإعلام كي كانت تلفّق في التهم للناس،

وكانت تبيّن المجرمين على أساس أنهم أئمّة وتقاة،

وكانت تبيّن الأئمّة على أساس أنهم مجرمين وفسقة ومدمنين تاع كحول ومخدّرات...

وبديت نبكي، وغاضني الجنرال توفيق.

جا واحد وقف عند راسي وقال لي:

– واش بيك تبكي يا مخلوق؟ واش خصّك؟

قلت له:

– غاضني توفيق.

قال لي:

– وين هو توفيق؟...

قلت له:

– علاش ما تعرفش توفيق؟

الوطني، المسكين، المحڤور... راها الصحافة كامل تتحدّث عليه

وتتحدّث على الأصالة تاعو؟

قال لي:

– ما تكسّرش راسك يا ولدي، كلش راهو مخبّي عندنا في الديسك دير،

ولاميموار تاعنا ما تنساش.

كاش نهار نديروا فيها بروجيكسيون، والناس كامل تشوف،

اليد تتكلّم، والعين تتكلّم، والحجر يتكلّم...

وياسعدك يا فاعل الخير... والسلام...

نورالدين خبابه

06 ديسمبر 2015

إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget