عيسى: أيها الأستاذ
لم تطاوعني المفردات أن أكتب وداعًا كما اعتاده الناس، ولا أن أنسج تعزيةً نمطيةً تشبه ما سبقها في البرود. منذ سماع خبر رحيلك يا عيسى بوسام، وأنا أتمتم في داخلي، أبحث عن رحمٍ فكّكته الأحداث؛ شارد الذهن في غربةٍ محتومة لا تُشبه إلا نفسها: بيوتٌ عاريةٌ من الحرارة الأسرية، ووجوهٌ لم تعد تشبه ما تركناه خلفنا.
تبعثرت ذاكرتي بين خبر الوفاة وصوتٍ قديمٍ يناديني من زمنٍ انقطع حبلُه. أتلمّس حروفًا مجروحةً تشبه هذا الوجع النبيل، تتكئ على عصا التواصل التي قطعتها التكنولوجيا — تلك التي اعتقدنا أنها تقرّب المسافات، فإذا بها تُباعد الروح.
أداوي بها ما تبقّى في الصدر من صبر، وأنتزع بها الأشواك التي استوطنت العروق منذ أن علّمنا الفقدُ أنه لا يستأذن قبل أن يدخل. أنفض سنواتٍ تساقطت من عمري واحدةً تلو الأخرى، وأقلبها كما يقلب المنفيّ أوراق هويته المبلّلة، وأعدّ الأموات… لا لأحصيهم، بل لأتأكد أن نبضي ما زال يُسمع بين أصواتهم الخافتة.
نم هادئًا يا ابن العائلة الكريمة، فالذين سبقونا تركوا لنا هذا الإرث الثقيل: أن نواصل السير ولو على حافة الجرح، أن نوجع بصمتٍ يشبه الخشوع، أن نكتب… حتى تعجز الكلمات عن حمل الروح، وحتى تجفّ العيون من الدمع، وتبقى الروح تبكي بإيمانها. رحمك الله يا عيسى، وأنزلك منازل الشهداء والصالحين، وجعل قبرك روضةً من رياض الجنة.
بلّغ أهلك الكرام وأحبابك السلام، وقل لهم: إنّا على العهد باقون، وإلى الملتقى قريبون — بإذن الله — في ظلّ عرشٍ لا ظلّ سواه. تعازيّ القلبية الحارّة لأبنائك وإخوانك وكلّ الأحبة والقريبين. اللهم ألهمهم الصبر الجميل، واربط على قلوبهم، واجعل ما بقي من الذكريات نورًا يضيء الدرب، لا ألمًا يثقل الخطى. إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
نورالدين خبابه
14 جانفي 2026
في الصورة أخي الأكبر ، عيسى بوسام في مناسبة وفاة البشير ابن أختي...رحمهم الله.

إرسال تعليق