بين ألم الغربة ومرارة الفقد، يستعيد الكاتب سيرة أحد أفراد عائلته، فيرسم لوحة إنسانية عن الوفاء، وصلة الرحم، والذكريات التي تبقى حية حتى بعد الرحيل.
بلغني للتو خبر وفاة أحد أبناء عمومتي، وهو من كبار العائلة الكبيرة، ممن ربطتنا بهم صلة القرابة والمحبة، وزادت أواصرها قوةً عبر مناسبات ومحطات كثيرة جمعتنا.
البارحة فقط، وأنا أراجع صورة القرية، كنت أستعيد تفاصيلها شبرًا شبرًا، وأتجول في بساتينها القديمة وواديها، وأماكن السباحة ، وأرتشف من ماء الشرشارة والعنصر،واجمع حبات التوت ... وأتأمل زوايا البيت الذي بُني في سبعينيات القرن الماضي، وأستذكر أيام الخروب.
كنت أستحضر جنان الحاج الصغير، وعنزاته التي كان يراقبها عن بُعد بمنظاره، وأمشي بخيالي على حافة الساقية، من منبعها إلى غاية الزناد، وأستعيد رحلة الحاج إلى الهند وباكستان في السبعينيات، وأتذكر سيارة السيمكا الحمراء... ولم يخطر ببالي أن تلك الذكريات ستكون مقدمة لخبر موجع.
كان المجاهد الحاج البشير خبابة، رحمه الله، رغم سنوات الغربة، متمسكًا بدينه، محافظًا على صلة رحمه، وفيًّا لأهله وأقاربه. وما كان يترك مناسبة سارة أو حزينة إلا حضرها، وأسهم فيها بمواقفه النبيلة التي ستظل مسطرة في سجل سيرته.
وعندما زرته في مدينة شامبيري سنة 2006، قادمًا من مدينة تولوز، إثر وفاة ابنته التي انتقلت إلى رحمة الله داخل قاعة العمليات، وجدته كالصخر الصامد، محتسبًا، راضيًا بقضاء الله وقدره. لكن ما إن رأى دموعي حتى لم يتمالك نفسه، وظل يذكر تلك الزيارة كلما تواصل مع والدتي، رحمها الله، إلى أن وافاها الأجل.
وعند زواج ابني البكر، حضر ببندقية الصيد فرحًا به، وكأنه يفرح لابنه كمال، في مشهد لن أنساه ما حييت.
ومع أنني لم أحضر زفاف ابني، وتابعته عبر الفيديو، فإن حضور الحاج البشير ببندقيته أضفى على المناسبة بُعدًا آخر، وأعاد إلى ذاكرتي جيلًا من الرجال يكاد ينقرض؛ جيل البساطة والوفاء، والفرح الصادق الذي لا تصنعه المظاهر.
اليوم اجتمع عليَّ وجعان: وجع الفقد، ووجع العجز عن الحضور لتوديعه.
وقد ازداد ألم الفقد وأنا أتأمل صوره عبر الزمن، وأستعيد حركاته وسكناته، وطريقته في المشي، ومواقفه، فأبتسم حينًا وتذرف عيناي الدموع حينًا آخر. أذكره مؤذنًا لأول مرة في المسجد بلحيته الوقورة، وأذكره صيادًا ببندقيته، وأذكره في مختلف المناسبات مع أبنائه وأبناء أخيه، ومع إمام القرية سي الطاهر، وأستحضر نبرة صوته، وزياراته للوالد والوالدة، ولجارنا وصهره الشيخ لخضر بن اللافي، كما أتذكر حرصه على زيارة عدد من المشايخ سي البشير بن خبابه والشيخ العموري، ولا تغيب عن ذاكرتي زغرودة والدته، الحاجة خضراء، التي كانت تعلن بها الأفراح في القرية.
نم قرير العين يا عمَّنا وابن عمِّنا، فما عرفنا عنك إلا طيب السيرة، وحسن الخلق، وصلة الرحم، والمواقف الرجولية الصادقة. ولم تترك خلفك إلا الذكر الحسن، والدعاء الصادق، وأثرًا طيبًا في قلوب كل من عرفك.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك لمحزونون.
رحمك الله رحمة واسعة، وغفر لك، وجعل الفردوس الأعلى مثواك، وجزاك عن أهلك وذويك خير الجزاء، وألهمهم جميعًا جميل الصبر والسلوان.
سأتصل بالعائلة حين تهدأ عاصفتي… فما أثقل وقع الفقد حين يكون الإنسان بعيدًا عن أهله.
نور الدين خبابه 30 جويلية 2026

إرسال تعليق