تتجه فرنسا نحو انتخابات رئاسية قد تكون من أكثر الاستحقاقات حساسية في تاريخ الجمهورية الخامسة. وبين صعود التجمع الوطني، وأزمة الوسط، وانقسامات اليسار، يبرز سؤال القطيعة مع المرحلة السابقة: أي مشروع سيتمكن من تحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة انتخابية في 2027؟
من خلال معيشتي في فرنسا لأزيد من 25 سنة، ومتابعتي للمشهد السياسي والاجتماعي، أرى أن هناك تحولًا عميقًا في مزاج شرائح واسعة من الفرنسيين، منذ أحداث سبتمبر 2001، مرورًا بعملية شارلي إيبدو وقضية مراح... وإلى غاية اليوم، خاصة بعد أزمة كورونا وما تلاها من تضخم وارتفاع في تكاليف المعيشة وتراجع الإحساس بالأمان الاجتماعي، لا سيما في ظل الحروب التي انعكست سلبًا على الطاقة والقدرة الشرائية...
ناهيك عن صعود الذكاء الاصطناعي الذي ألغى العديد من مناصب الشغل، نظرًا إلى السرعة والمردودية التي يقدمها للمتعاملين، وقدرته على إنجاز أعمال كان يقوم عليها فريق منتظم.
فكثيرون لم يعودوا يريدون مجرد تعديلات أو سياسة ترقيع، بل يبحثون عن قطيعة حقيقية مع السياسات التي حكمت فرنسا خلال السنوات الماضية، وأدت إلى هذا الاحتقان، الذي تفاقم بعد حل الجمعية الوطنية وغياب أغلبية برلمانية واضحة، وهو ما أدى بدوره إلى التردد وعدم الحسم.
ومن هذا المنطلق، أرى أن مشروع جان لوك ميلانشون هو اليوم الأكثر تنظيمًا داخل اليسار، بما يملكه من قاعدة شعبية بناها بنفسه من خلال ترشحه ونضاله، ومن خلال مواقفه وثباته حول عدد من القضايا، سواء ذات الطابع الفرنسي أو الدولي، ومنها القضية الفلسطينية، فضلًا عن برنامج واضح، وكوادر ومناضلين شباب مُحضَّرين للعب أدوار مختلفة، مع تنوع واضح وقدرة على التعبئة من خلال استعمال أحدث التقنيات.
وقد أظهرت التجارب الانتخابية السابقة أن اليسار، عندما يتوحد ومعه أصوات الوسط في مواجهة أقصى اليمين، يستطيع تشكيل قوة انتخابية كبيرة ووقف تقدم التجمع الوطني.
لذلك أعتقد أن الخطر الحقيقي في الدور الأول هو تشتت الأصوات بين عدد كبير من المرشحين. فالتجمع الوطني يدخل الانتخابات بقاعدة انتخابية متماسكة، بينما يؤدي تعدد المرشحين في اليسار والوسط إلى تفتيت أصوات خصومه، وهو ما يخدمه موضوعيًا، حتى لو لم تكن هذه نية المرشحين.
كما أعتقد أن جزءًا من اليسار يعارض خط ميلانشون بشدة، ويحاول منع تحوله إلى المرشح المهيمن على اليسار. وإذا استمر هذا الصراع حتى الانتخابات، فقد تكون النتيجة إما وصول مرشح يمثل، بشكل أو بآخر، استمرارًا للنهج القريب من الماكرونية، أو فتح الطريق أمام التجمع الوطني.
أما إذا وصل ميلانشون إلى الدور الثاني أمام لوبان أو بارديلا، فأعتقد أن غالبية ناخبي اليسار والخضر سيتجمعون خلفه لمنع وصول التجمع الوطني إلى السلطة، وقد ينضم إليهم جزء من غير المصوتين، كما جرت العادة في فرنسا على إقامة سد انتخابي أمام اليمين المتطرف. لكن الجديد هذه المرة أن جزءًا معتبرًا من اليمين التقليدي قد يصوت للتجمع الوطني إذا كان منافسه ميلانشون، بدل المشاركة في هذا السد.
لهذا أرى أن انتخابات 2027 لن تكون مجرد منافسة تقليدية بين اليمين واليسار، بل مواجهة حول معنى القطيعة نفسها: قطيعة اجتماعية واقتصادية وسياسية يمثلها ميلانشون من جهة، وقطيعة قومية وهوياتية يقدمها التجمع الوطني من جهة أخرى، في مقابل قوى تحاول الحفاظ، بدرجات مختلفة، على المنظومة التي حكمت فرنسا في السنوات الأخيرة.
وبالنسبة إليّ، سيكون العامل الاجتماعي حاسمًا. فشرائح واسعة تضررت خلال السنوات الماضية وسئمت الوعود والحلول الجزئية. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هناك غضب ورغبة في التغيير، بل: من سينجح في تحويل هذا الغضب إلى أغلبية سياسية؟
نورالدين خبابه 24 أوت 2026

إرسال تعليق