خربشة في رحلة العبور... من المغرب إلى سبتة ومليلية

قراءة تحليلية للهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية بين الدوافع الاجتماعية واحتمالات التوظيف السياسي والجيوسياسي.

 

تشهد الحدود المغربية-الإسبانية موجات متكررة من محاولات العبور الجماعي، وهو ما يطرح تساؤلات تتجاوز البعد الإنساني للهجرة غير النظامية، لتشمل الأبعاد الأمنية والجيوسياسية، واحتمالات استغلال هذه التحركات في سياقات إقليمية ودولية معقدة.

تُعدّ التطورات الميدانية الأخيرة على الحدود المغربية-الإسبانية، وتحديدًا في محيط مدينتي سبتة ومليلية، نموذجًا معقدًا لتداخل الأبعاد الإنسانية مع الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية.

ولا يمكن التعامل مع محاولات العبور الجماعي والمكثف بوصفها مجرد ظاهرة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، إذ إن طبيعة هذه التحركات وتوقيتها تثيران تساؤلات حول ما إذا كانت تتجاوز العفوية إلى مستوى تحركات أكثر تنظيمًا أو تنسيقًا.

وتهدف هذه الورقة إلى مقاربة هذه الظاهرة من خلال التمييز بين الدوافع البنيوية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة، وبين احتمال وجود عوامل أو أطراف تستغل هذه التحركات لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية.

وبعيدًا عن تفاصيل العبور في حد ذاتها، يتمثل جوهر القضية في تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، من أبرزها البطالة، والفقر، والشعور بالإحباط، وغياب العدالة، وتراجع آفاق الاندماج الاقتصادي لدى فئات واسعة من الشباب. وتشكل هذه الظروف بيئة تدفع بعضهم إلى اعتبار الهجرة غير النظامية خيارًا أقل كلفة من حيث الإمكانات المادية، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر كبيرة.

ويثير الحجم الكبير لهذه التحركات، وتزامنها خلال فترة زمنية قصيرة، تساؤلات حول آليات التعبئة التي سبقتها. ويذهب بعض المراقبين إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي، والإشاعات، والعلاقات الاجتماعية المباشرة، قد تؤدي دورًا مهمًا في حشد المشاركين ونقل المعلومات بسرعة. كما تشير بعض الروايات، ومنها روايات إسبانية، إلى أن تفسيرًا مجتزأً أو تأويلًا لحكم قضائي قد يكون أحد الدوافع أو المحركات التي شجعت على هذه التحركات.

إلا أن تزامن تحرك أعداد كبيرة في وقت واحد يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت هناك عوامل لوجستية، أو ظروف ميدانية، أو رسائل متداولة عززت لدى المشاركين الاعتقاد بإمكانية العبور، أو بانخفاض مستوى المخاطر.

وفي حال وجود أطراف تستثمر هذه التحركات، فمن المرجح أن يقتصر دورها على التأثير غير المباشر، أو التحريك والإيعاز عن بُعد، أو الاستفادة السياسية من نتائجها، دون أن تكون بالضرورة منخرطة في التنفيذ الميداني. ويُطرح هذا الاحتمال في إطار قراءة لكيفية توظيف قضايا الهجرة في العلاقات الإقليمية والدولية، حيث تتحول أحيانًا إلى أوراق ضغط أو عناصر تفاوض بين الدول.

ويكتسب توقيت هذه التحركات أهمية خاصة، وقد يفسره البعض في ضوء عدد من المتغيرات الإقليمية والدولية، من بينها:

الظرف الداخلي الإسباني: احتمال تزامن الأحداث مع فترة انشغال المؤسسات الإسبانية بفعاليات وطنية، أو بملفات داخلية، على غرار الفوز بكأس العالم، بما قد يؤثر في مستوى التركيز والاستجابة.

التحسن في العلاقات الجزائرية-الإسبانية: فقد شهدت العلاقات بين البلدين تطورًا ملحوظًا،  لاسيما زيارة رئيس الوزراء الأخيرة بما قد يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي، بالنظر إلى القرب الجغرافي والمصالح المشتركة، كما قد يوفر فرصًا لتعزيز الشراكة الثنائية.

تقارب بعض المواقف الدولية: إذ إن تقارب مواقف الجزائر وإسبانيا في بعض الملفات الإقليمية والدولية، ومن بينها القضية الفلسطينية، قد يشكل أحد عناصر السياق السياسي الذي تُقرأ في إطاره هذه التطورات.

وفي الأخير

لا شك أن الدوافع الاقتصادية والاجتماعية...  تمثل عاملًا رئيسيًا في تفسير رغبة الشباب في الهجرة غير النظامية. غير أن طبيعة التحركات الجماعية، وتوقيتها، وسياقها الإقليمي، تفتح المجال أمام فرضيات متعددة بشأن إمكان استغلال هذه الظاهرة سياسيًا أو أمنيًا من قبل أطراف مختلفة.

وبذلك، يبقى من الضروري التمييز بين الأسباب البنيوية التي تدفع الأفراد إلى المخاطرة، وبين أي محاولات محتملة لتوظيف هذه التحركات في سياقات سياسية أو جيوسياسية.

نورالدين خبابه 31 جويلية 2026

إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget