في الجزء الثاني من «توحشت بلادي»، تواصل الذاكرة رحلتها إلى زمن الطفولة والمدرسة والجامع والحي والأصدقاء؛ إلى زمن البركة والنية والصفاء. ذكريات تبدو بسيطة في تفاصيلها وربما ساذجة وتافهة عند البعض، لكنها تعيد إلينا مشاهد كاملة من الحياة اليومية في الدشرة وبرج الغدير وأينما حل الكاتب، بأصواتها وروائحها وأسمائها ووجوهها التي ما زالت حاضرة في القلب رغم مرور السنين.
توحشت يسافر بنا الزمان لبكري، ونشوف وقت البركة والنية والصفاء.
توحشت نكتب في اللوحة بالقلم والصمغ، ونزوّق في الجامع،ونروح مع أصحابي نجمعوا البيض، وحنا ننشدوا:
«بيضة بيضة للكتابة... يرحم والديكم».
توحشت نختم الحزب، وتطيب لي أمي الشرشم وتحط عليه السكر... ذوقه فاق قعدات كبار مطاعم العالم.
توحشت نسقي على الدابة، ونعمّر بسان الجامع اللي يتوضّاو منه.
توحشت نجلس في المقعد الأول في السنة الأولى، ومعلمي الحسين بليدة، الله يرحمه، وقدّامي بنته اللي ائتمنّي عليها... ويسألني:
«قدّاش حافظ من حزب يابن الطالب؟»
توحشت نسمع تسابيح الجامع بعد التكرار :
«اللهم اغفر للشيخ ولوالديه ولمن علّمنا...».
توحشت نشوف معلمي العيفة اللي قراني في السنة الثانية ابتدائي والي أخذ كراسي كذكرى، وهو يقول لسي عبد الله:
«هذا يكتب خير مني، واش نقري له؟ لازم نطلّعوه للسادسة».
وأنا نشحلط على أصحابي... ما تضحكش، علابالي عندك بزاف ما سمعتهاش!
توحشت نكتب أول جملة بالحبر والريشة، ومارية قدّامي تتفرج في خطي المغربي نتاع الجامع، وتورّيني كيفاش ننشّف بالمنشفة مش كالجامع نلحسوا القلم للبركة.
توحشت نفطر في مطعم المدرسة بالحليب والشيكولاتة، ونشم ريحة الحمص اللي يطيبوه بن عمي والشيخ بلقاسم الله يرحمهم.
توحشت نمحي الصبورة، ولا نجيب الطبشور للمعلم من الإدارة، وكأني تجاوزت السحاب ووصلت للقمر.
توحشت نشوف سي عبد الله جاي بالدوشوفو، وحنا نستناو فيه تحت بيت العموري... يخص غير نقولوا له:
«طلع البدر علينا».
توحشت نشري قوبع من عند صديقي عزير، ونصير نغيّر فيه، ومن بعد يتراجع ويطلب مني نرجعهالو وهو يبكي، ويهددني بشكوى للمعلم.
توحشت نشوف عمي الطيبالله يرحمه بسيجارة الصافي، وهو يكحكح ، ويكيل في السكر، ونفوت عند علي السوفي نتاع الشواثرة نجيب لتر غاز... نشعلوا به الفنار كما تقدمنا.
توحشت نسمع نتائج السيزيام، وعمتي خضراء تزغرت.
توحشت نسمع إعلان نتائج البكالوريا في الإذاعة، ودندنة عبد الحليم حافظ، ومعاه درياسة... وهو يردد:
«جابوها جابوها، وايديهم رفعوها».
توحشت نمحي في الجامع، ونفطر بعدها على ما تبقّى من البروبشة اللي يقولولها الدزيرية الطعام، بحليب القهوة.
توحشت نلعب مقابلة في كرة القدم بين المدارس ونربح أولاد أخوالي.
توحشت نمشي في المحفل في الليل على ضوء الفنار... ونشوف العروس بالبرنوس، والناس تنتظر وقتاش يظهر وجهها....تقول حورية من حوريات الجنة.
توحشت هذاك السن اللي كنت فيه صغير، ونقعد ونلعب مع الكبار... حاب نولي شيخ قبل وقتي.
توحشت نقرا على الشمعة، ونسمع زفات الريح، وأمّا تقول لي:
«نبّه، بقات غير شمعة، باش نوضوا نتسحّروا عليها».
توحشت نروح للدشرة في الليل والتريسيتي طافي، ونتلاقى مع إبراهيم بن خراف ، وهو يقول لي:
«أنت ولد من؟»
إيه... الشيخ إبراهيم اللي كان يعس في البلدية وحده، والناس هانية ، قبل ما يجيو اللي ما يتسماوش...
توحشت نغني أغنية «المنفي» وأنا في الشرشارة، ونسقسيي ابن عمي:
«علاش كانت تعجبه؟»
توحشت نروح لباساج بن أخروف، عند هذاك اللي يخدم السوايع، ونفوت قدّام دار الخضرة، ونشوف السيارات الصغيرة نتاع نتاع ثلاث رود قدّام بوجلال، مقابل لهذيك القهوة.
توحشت نروح مع السعيد القهري والعياضي لسطيف، ونحكموا الطاكسي من قدّام صال دي فات نتاع الجباس، ونشوفوا ماتش سطيف والمولودية، وقت صالحي العياشي وخوه عبد الحميد، وطلعة من طلعات قريش الله يرحمه... ونروحوا بالستوب.
توحشت نشوف مسلسل «عامر وزينة» بالأبيض والأسود في دار عمار بن عمي، والشيخ محمد بلخوني يدخن في الغولواز.
توحشت نسمع «صوت فلسطين»، والوالد داير المذياع قدّامنا ويتنهّد.
توحشت نسمع تعليقات يوسف بن واعدية، والحبيب بن علي، وصلاح والتلفز بالأبيض والأسود.
توحشت نشوف جلول ملايكة وإبراهيم بلبحري في نشرة الأخبار، ونستذكر الناس اللي جاو من بعدهم... وين راحت أخبارهم؟
هذا تيجاني مريمش، وهذاك محفوظ بن حفري، وهذاك أحمد إبراهيم، وهذاك محمد نجيب عيسات، صاحب الصوت الرقيق...وصالح قوامي ...
يا خويا، وينو علي غراس؟ وينو؟
توحشت ركبة في القطار من العاصمة للبرج...
توحشت نروح بارميسيون، ونفوت على ساحة الشهداء وين كانوا الطاكسيات باللون الأصفر... ومانييش حاب نختمها بحديقيتي آن الأوان وحان أن نفترقا.
نورالدين خبابه
يتبع...
.

إرسال تعليق