كتبت القصيدة «قناة الفتنة» تعبيرًا عن استيائي من الخطاب الإعلامي الذي قد يحوّل مآسي الشعوب وآلام الأبرياء إلى مادة للإثارة والصراع، بدل أن يكون وسيلة لكشف الحقيقة ونقل معاناة الإنسان بصدق ومسؤولية.
لم تكن غايتي من هذه الكلمات رفض الإعلام أو الاختلاف في الرأي، وإنما الاعتراض على توظيف الكلمة والصورة في تأجيج الأحقاد، وعلى اختزال المآسي الإنسانية في عناوين صاخبة، قد يضيع خلفها صوت الضحايا.
تساءلتُ في القصيدة عن ضمير الإعلام، وعن مسؤولية من ينقل الخبر، وعن الفرق بين البحث عن الحقيقة والسعي وراء الإثارة. وأردتُ أن أؤكد أن الاختلاف لا يعني الخيانة، وأن الأخوّة لا تُقاس بالشعارات، بل بالمواقف، خصوصًا في أوقات المحن.
ورغم النبرة الاحتجاجية التي تحملها الأبيات، فإن خاتمتها ليست دعوة إلى الانتقام أو الفرقة، بل إلى الحكمة والعدل والرحمة.
قصيدة: قناة الفتنة
زَمْجِرِي يَا رِيَاحُ، زَمْجِرِي،
وَاهْتِفِي بِالْحَقِّ، فِي وَجْهِ الْمُسْتَكْبِرِ.
يَا قَنَاةً تَسْتَبِيحُ دِمَاءَنَا
وَتَبِيعُ الْحُزْنَ فِي سُوقِ الْخَبَرِ!
كَمْ حِكَايَةَ طِفْلٍ أَغْفَلَتْ،
وَكَمْ مِنْ دُمُوعٍ ضَاعَتْ فِي الصُّوَرِ!
أَتَجْعَلِينَ مِنَ الْمَأآسِ فُرْجَةً،
وَتُغَيِّبِينَ الْحَقَّ خَلْفَ الْمَنْظَرِ؟
أَيْنَ الضَّمِيرُ؟ وَأَيْنَ صِدْقُ رِسَالَةٍ
جُعِلَتْ لِتَكْشِفَ مَا تَوَارَى مِنْ خَبَرِ؟
لَا تَجْعَلِي الْإِعْلَامَ سَيْفَ خُصُومَةٍ،
وَلَا تَكُونِي صَوْتَ حِقْدِ مُسْتَعْمِرِ
فَالْحَقُّ لَا يَحْيَا بِصَوْتٍ صَاخِبٍ،
بَلْ بِالدَّلِيلِ وَبِالْيَقِينِ وَبِالْأَثَرِ.
أَهَكَذَا تُرْوَى حِكَايَاتُ شَعْبٍ؟
مَزّقَتْهُ الصّراعاتُ...
أَمْ أَنَّ صَوْتَ الْمَالِ أَعْلَى مِنَ الْبَشَرِ؟
مَا كُلُّ مَنْ خَالَفْتِهِ، خَائِنٌ،
وَلَا اخْتِلَافُ الرَّأْيِ يَدْعُو لِلضَّرَرِ.
إِنَّ الْعُرُوبَةَ لَيْسَتِ اسْمًا نَرْفَعُهُ،
بَلْ رَحْمَةٌ وَوَفَاءُ عَهْدٍ مُعْتَبَرِ.
وَالْأُخُوَّةُ لَا تُقَاسُ بِالشِعَارِ،
بَلْ بِالْمَوَاقِفِ عِنْدَ سَاعَاتِ الْخَطَرِ.
لَا تَحْجُبِي شَمْسَ الْحَقِيقَةِ بِالْهَوَى،
إخْجَلِي...
فَالنُّورُ يَبْقَى رَغْمَ أَسْتَارِ الْكَدَرِ.
وَاذْكُرِ الْيَتِيمَ إِذَا تَحَدَّثْتِ عَنِ الْحُرُوبِ،
وَاذْكُرِي الْجِيَاعَ وَالْعُرَاةَ فِي الْحُفَرِ.
رَبَّاهُ، إِنَّ جِرَاحَنَا نَزِفَتْ،
وَتَعِبَتْ أَرْوَاحُنَا مِنَ السَّهَرِ.
رَبَّاهُ، أَلْهِمْنَا الْحِكْمَةَ وَالْهُدَى،
وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ بَعْدِ الْعُسْرِ يُسْرًا.
لَا نَبْتَغِي ثَأْرًا وَلَا نَدْعُو لِفُرْقَةٍ،
بَلْ نَبْتَغِي عَدْلًا لِلْبَشَرِ.
يَا قَنَاةَ الْإِعْلَامِ، عُودِي لِلْهُدَى،
وَاجْعَلِي الْحَقِيقَةَ فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارِ.
فَالْكَلِمَاتُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِنَا،
وَالصِّدْقُ أَبْقَى مِنْ ضَجِيجٍ مُبْتَكِرِ.
زَمْجِرِي يَا رِيَاحُ، زَمْجِرِي،
حَتَّى يَعُودَ الصِّدْقُ سَيِّدَ كُلِّ خَبَرِ.
نورالدين خبابه 23 أوت2015

إرسال تعليق