بعض الجراح لا يفتحها الغياب، بل تفتحها العودة ذاتها، حين نكتشف أنّ الزمن سبقنا إلى أحبّتنا. هذه الكلمات ليست شكوى ولا ندمًا، بل محاولة لملامسة وجعٍ مؤجَّل… وجع أمٍّ انتظرت ابنها، وابنٍ يعود متأخرًا إلى قبرها وهو يجرّ قدميه المتثاقلتين، لا تقويان على الوقوف خجلًا من صدمة القبر الذي سيفتح في قلبه من جديد.
أوّل من فكّرتُ فيه اليوم، بعد خمسٍ وعشرين سنة قضيتُها لاجئًا بين المنافي، هي أمي رحمها الله.
لا أفكّر فيها كذكرى عابرة، بل كحضورٍ ثقيل يسبقني إلى كلّ فكرة، وإلى كلّ شهقة، وإلى كلّ دمعة… وكصوتٍ لا يهدأ مهما طال الغياب.
أسمعها كما كانت، بنفس النبرة التي تعلّمت الصبر قبل أن تتعلّم الشكوى، وهي تقول لي:
«متى تعود يا ابني؟
من قتلوا وفعلوا الأفاعيل بالشعب… هم اليوم يتبخترون في الشوارع، ويبيعون ويشترون، ومنهم من تمت ترقيته، ومنهم من صار يحكم بأحكامه!
وأنت؟ ماذا فعلت أنت؟
ليس لي من طلبٍ إلا رؤيتك… أم تريد أن تعود بعد أن أموت؟»
يا أمي…
كنتِ تسألين، ولم أكن أملك جوابًا لا يكسركِ. كيف أشرح لكِ وأنا مهدَّد بالتصفية؟ هل كنتِ تستطيعين تحمّل رؤية ابنك مقطوع الرأس مرميًّا في واد، أو جسده مثقَّبًا كالغربال؟
لم أكن أهرب من العودة؛ كنتُ أهرب من وعدٍ لا أضمنه، ومن كلمةٍ ناقصة تزيدكِ حزنًا بدل أن تُطمئنك.
كنتِ ترين الظلم بعينيك الكحلتين، لكنكِ كنتِ ترين أيضًا قلب ابنك النقي، وتعرفين صدقه وصراحته وحزمه، وأنه لم يبع نفسه، ولم يساوم على كرامته، ولم يبدّل وجهته… حتى وهو يدفع الثمن وحده.
اليوم، وأنا أقترب من فكرة العودة، أدرك أنّ يوم الرجوع أثقل من يوم الخروج.
الخروج كان قرارًا يشبه الانتحار، أمّا العودة فهي مواجهة: مواجهة موتٍ يتشكّل في صورة إنسانٍ يحبو نحو القبر.
مواجهة مع الزمن، مع البيوت التي أُفرغت من أهلها، مع الطرقات التي حفظت أسماءنا ثم نسيت وجوهنا، ومع قبورٍ لم أكن حاضرًا يوم فُتحت… ولا يوم أُغلقت على أغلى من أحببنا.
يوم عودتي لن يكون يوم احتفال كما يحتفل العائدون من المهجر.
سيكون يومًا يختلط فيه الفرح بالخجل، والرجاء بالخذلان، والحنين بندمٍ لا يقوى جسدٌ مثقل بالجراح على حمله.
سيكون يومًا يفرض عليّ أن أعترف، لا أمام الناس، بل أمام نفسي وأنا أُمرِّغ وجهي فوق تراب قبرك الطاهر: أنّ الغياب مهما كانت أسبابه يبقى موجعًا، وأنّ الزمن حين يسرق أمًّا لا يعوّضها وطنٌ كامل.
إن عدتُ يا أمي، فلن أدخل البيت أوّلًا.
سأمشي نحوكِ مباشرةً… نحو ترابك قبل أن أصلّي، أخطو نحو ذلك المكان الذي لم أودّعكِ فيه.
سأُمرِّغ أنفي في تراب قبرك، لا تواضعًا فقط، بل لأنّ هذا التراب أصدق من كلّ خطابات الدنيا، ولأنّ الاعتذار أمامكِ وحدكِ هو ما يشبهني… وقد يوقظ غيري.
سيفتح قبركِ يومها جرحي النازف من جديد.
سيحضر من يحضر، لأنّي لا أعود وحدي.
أعود ومعي سنواتٌ من الصمت كانت تنتظر أن تتكلم، وأسماءٌ غابت، ووجوهٌ لم ألقها، وأقاربُ سقطوا واحدًا تلو الآخر وأنا أُمنّي النفس بأنّ اللقاء ممكن.
أعود والعائلة قد تفرّق جمعها، والشتات صار عادةً، والغياب صار خبرًا عابرًا في هواتف الناس.
لكنّي أريد يومها أن أجمع ما تفرّق، ولو لساعة.
أن أرى شتات الأسرة في مكانٍ واحد، لا ليصفّقوا لي، بل ليشهدوا أنّ الرحم لا تُقطع، وأنّ المنافي لا يجب أن تنتصر علينا إلى الأبد.
أريد أن يكون يوم عودتي – إن كُتب – يومًا نصلح فيه ما أمكن إصلاحه، ونلتقط فيه ما تبقّى من خيوط العائلة قبل أن تنقطع نهائيًا.
وإن لم أعد… وإن سبقني الأجل…
فقد تركتُ لكِ يا أمي ما أستطيع:
أبناءً يعرفون اسمكِ، ويدعون لكِ في صلواتهم، ويتصدّقون عن روحكِ، ويعرفون أنّ جدّتهم كانت امرأةً انتظرت ابنها أكثر مما انتظرت الدنيا كلّها.
ليس تعويضًا، فالأم لا تُعوَّض، لكنه أثرٌ صغير يقول لكِ إنّ حبّكِ لم يضع.
سامحيني يا أمي إن طال الغياب… جسديًا؛ فدعواتي لكِ في كل ركوع.
سامحيني لأنّ الطريق كان أطول من قدرتي، ولأنّ الواقع كان أقسى من الكلمات.
سامحيني لأنّي حين كنتُ أقاوم بطريقتي، كنتُ أجهل كم كان صبركِ يذوب يومًا بعد يوم.
وسامحيني لأنّي صدّقتُ أنّ الصبر قد يكون بطولة… ثم اكتشفتُ أنّ الصبر قد يكون وجعًا لا يراه أحد.
اللهم اغفر لها وارحمها.
واجعل كلّ دمعة حبستها، وكلّ ليلة انتظرتني فيها، وكلّ سؤالٍ تعلّق في صدرها، نورًا في قبرها.
واجعل ما عانيته رحماتٍ تتنزّل عليها، وعلى والدي، وعلى كلّ من حُرمتُ من لقائهم.
واجعل يوم عودتي – إن كان – يوم سترٍ وسلام، لا يوم كسرٍ وحساب…
وإن كان لا بدّ من فتح الجرح، فامنحني يا ربّ من الرحمة ما يُلملمه، ومن الصبر ما يُعينني، ومن السكينة ما لا يخذلني أمام قبرها.
نورالدين خبابه 23 جانفي 2026

إرسال تعليق