حين حضر التسامحُ مع البابا في الجزائر، غابت المصالحةُ مع الجزائريين!

حين حضر التسامح مع البابا في الجزائر، غابت المصالحة مع الجزائريين، وبقيت الجراح الوطنية والحقيقة المؤجلة أعمق من المشهد.

رمز ديني مع خلفية سياسية يعكس التناقض بين خطاب التسامح والواقع في الجزائر
بين رمزية الزيارة، وعمق الجراح الوطنية، يظل السؤال قائمًا: هل نعيش تسامحًا حقيقيًا، أم نُتقن فقط مشهده الخارجي؟

ليس الاعتراض على زيارة البابا، ولا على مبدأ التسامح، بل على التناقض المؤلم بين خطابٍ يُجمَّل للعلن، وواقعٍ داخلي لم يُنصف بعد أبناءه، ولم  يعالج جراحه بما يكفي من شجاعة وصدق.

يُقدَّم التسامح، في كثير من المناسبات، بوصفه قيمةً إنسانية عليا، وعلامةً على التحضّر والانفتاح، ودليلًا على الرقيّ السياسي والأخلاقي. غير أنّ هذه القيمة تفقد الكثير من معناها وصدقيتها حين تتحول إلى مشهدٍ بروتوكولي، أو إلى مادةٍ للاستهلاك الإعلامي، بدل أن تكون ممارسةً حقيقية نابعةً من قناعة فكرية وموقفٍ أخلاقي راسخ. فالتسامح، في جوهره، ليس قبلات  دبلوماسية، ولا خطابًا يُستدعى عند الحاجة، ولا صورةً تُلتقط في لحظة محسوبة، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من احترام الإنسان داخل وطنه وفي الخارج، والاعتراف بحقه في الكرامة والاختلاف والذاكرة والانتماء وحرية الاعتقاد.

ومن هذا المنطلق، فإننا لسنا ضد زيارة البابا إلى الجزائر، بل نشجّع كل مبادرة من شأنها أن تخدم الحوار، وأن تفتح جسور التقارب بين الأديان والثقافات، وفق الاحترام المتبادل،  كما أننا لسنا ضد التسامح من حيث المبدأ، بل نحن معه حيث يكون تعبيرًا صادقًا عن قناعة، لا مجرد أداة للتسويق السياسي والإعلامي. فنحن من الذين يُغلِّبون المبادئ على المصالح، ويؤيدون جسور التقارب، لكنهم في الوقت نفسه يقدّمون الأولويات على الكماليات، ويرون أن المصالحة مع الجزائريين، وكشف الحقيقة، ورفع المظالم، أولى من الاكتفاء بإتقان المشهد الرمزي وتجميل واجهته.

ونحن نعلم جيدًا ما يمثله البابا عند المسيحيين، وندرك مرجعيته الروحية والرمزية وثقلها، كما ندرك ما يرتبط بذلك من امتدادات تاريخية وفكرية، ومنها الصلة بأوغسطين في الجزائر وما يحمله هذا الامتداد من دلالات حضارية ودينية. كما نعلم أن الجزائر غنية بالآثار الرومانية، لكنها فرّطت كثيرًا في هذا الإرث، فلم تُحسن حمايته، ولا تثمينه، ولا إدماجه في وعيها الحضاري كما ينبغي. وهذا التفريط في الذاكرة المادية ليس بعيدًا عن أشكال أخرى من التفريط في الذاكرة الوطنية الأوسع. وندرك أيضًا أن حضور البابا لا ينفصل عن توازنات العالم، ولا عن طبيعة ما يجري فيه، ولا عن التحولات الحساسة التي يعرفها الشرق الأوسط على وجه الخصوص، ولا عن شبكة العلاقات الدولية التي يتداخل فيها الديني بالسياسي، والروحي بالاستراتيجي، بما في ذلك ما يُثار بشأن علاقة البابا الجديد بأمريكا. لكن وعينا بكل هذه الخلفيات لا يدفعنا إلى التنازل عن الأولويات، ولا إلى القفز على الجراح الداخلية باسم اللباقة الدبلوماسية أو المناسبة.

إن التسامح الديني لا يمكن أن يكون غطاءً لواقعٍ سياسي مأزوم، ولا واجهةً تُخفى وراءها تناقضات عميقة لم تُحلّ بعد. لأنه، ببساطة، لا معنى للحديث عن احترام الآخر إذا كان المواطن في وطنه لا يُعامَل باحترام، ولا معنى للاحتفاء بحرية الاعتقاد إذا كانت حرية الرأي والموقف والانتماء ما تزال محل تضييق أو تخوين أو إقصاء. ولذلك فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بما إذا كنا نرحب بالزيارة أم لا، بل يتعلق أولًا بمدى صدق الحديث عن التسامح في بلدٍ لم يُنجز بعد مصالحة حقيقية مع أبنائه.

فمن السهل أن تُستقبل شخصيةٌ عالمية بابتسامات عريضة، وكلمات منمّقة، ومشاهد محسوبة بعناية، لكن الأولى من ذلك هو أن يُفتح الباب للجزائريين أنفسهم كي يشعروا بأن هذا الوطن يسعهم جميعًا، مهما اختلفت آراؤهم ومواقفهم وتجاربهم. فما قيمة الحديث عن التسامح إذا كان جزائريون كثيرون قد مُنعوا من الدخول إلى وطنهم أو الخروج منه بسبب مواقفهم السياسية؟ أوطردوا  من العمل أو منعوا من الترقية...؟  وما جدوى الترويج لثقافة القبول، إذا كان آخرون قد دفعوا ثمن انتماءاتهم أو آرائهم أو قراءاتهم المختلفة للأزمة الوطنية؟

ولم يقتصر هذا المنطق على المعارض البسيط أو المواطن العادي، بل طال حتى شخصيات وطنية من الوزن الثقيل في تاريخ الجزائر السياسي. فالدكتور عبد الحميد مهري مثلا، بما يمثله من رصيد وطني وتاريخي، لم يكن رجلًا عابرًا في ذاكرة الدولة أو المجتمع؛ فهو عضو في المجلس الوطني للثورة، وعضو في لجنة التنسيق والتنفيذ، وعضو في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وسفيرٌ للجزائر في فرنسا والمملكة المغربية لسنوات، فضلًا عن كونه أمينًا عامًا لجبهة التحرير الوطني. ومع ذلك، وصل الأمر إلى مطالبته بحقه في جواز سفره الدبلوماسي، كما تكشف مراسلته المؤرخة في 3 جوان 1997 إلى وزير الخارجية، حيث ذكّر بصفاته الوطنية والرسمية التي تخوّل له ذلك، مستغربًا رفض منحه هذا الحق. وإذا كان رجل بهذا الثقل التاريخي والرمزي وجد نفسه مضطرًا إلى التذكير بمكانته وحقوقه، ومات بحسرته هو وغيره من الشخصيات الوطنية الوازنة - فكيف يُطلب بعد ذلك من الجزائريين أن يطمئنوا إلى خطاب التسامح، أو أن يصدقوا أن منطق الإقصاء قد انتهى فعلًا؟

إن الأولى، من الناحية الأخلاقية والسياسية، أن تُطرح قضية المصالحة الوطنية الحقيقية بجديةٍ وشجاعة، لا بوصفها شعارًا مناسباتيًا، بل باعتبارها مدخلًا ضروريًا لمعالجة الذاكرة الجريحة، وردّ الاعتبار، ورفع الإقصاء، وفتح المجال أمام مقاربة وطنية تعترف بالمأساة ولا تُجمّلها، وتواجه الأسئلة المؤجلة بدل الالتفاف عليها. فثمة جراح عميقة لم تندمل، وملفات ثقيلة لم تُفتح كما ينبغي، وحقائق لا تزال حبيسة الصمت أو الانتقاء أو التوظيف.

وفي هذا السياق، يفرض الوجع الشخصي نفسه بوصفه شاهدًا لا يمكن تجاهله. فأيُّ تسامحٍ هذا الذي يُطلب مني أن أصدّقه، وأنا لم أُمنح حتى حقَّ الوقوف على قبر والدي ووالدتي وأقاربي...، بعد ربع قرنٍ من المنفى الذي صنعه نظامٌ أعورٌ ودجّال؟ إن حرمان الإنسان من زيارة قبر والده ليس مجرد تفصيل عابر، ولا إجراء يمكن تبريره بلغة المجاملة أو ذرائع المرحلة، بل هو تعبير قاسٍ عن القطيعة بين الخطاب المعلن والوجع الإنساني الحقيقي. فهناك من يُطلب منه أن يقتنع بالتسامح، في الوقت الذي يُحرم فيه من أبسط صور الوفاء والحنين، ومن حقه الطبيعي في الذاكرة والحزن والارتباط الرمزي بالأرض والأهل.

ومن هنا تبدو الأولويات مختلّة على نحوٍ مؤلم. ما الأولى: أن نعرف حقيقة قتل الرهبان في دير تيبحرين، وأن نواجه هذا الملف بما يقتضيه من شجاعة تاريخية وسياسية، وما إذا كانت له صلة بعقد روما، أم أن نستقبل البابا بضحكةٍ صفراء وننشغل بإتقان صورة المشهد؟ أليست معرفة الحقيقة أولى من صناعة صورةٍ دبلوماسية أنيقة؟ أليست مصارحة الجزائريين بتاريخهم، بما فيه من دم وغموض وتوظيف واستغلال، أولى من تعليق لافتة التسامح فوق جراح لم تلتئم؟ إن الأمم التي تريد أن تبني تسامحًا حقيقيًا لا تؤسس ذلك على النسيان القسري، ولا على طمس الأسئلة المحرجة، بل على مصارحة تاريخية شجاعة، وعلى احترام حق الناس في معرفة الحقيقة، مهما كانت موجعة أو معقدة.

ذلك أن معرفة الحقيقة ليست ترفًا فكريًا، بل شرط من شروط العدالة المعنوية، وأساسًا من أسس أي مصالحة محترمة. أما حين يُطلب من الناس أن ينسوا قبل أن يفهموا، وأن يصفقوا قبل أن تُرفع عنهم المظالم، وأن يقتنعوا بخطاب التسامح في الوقت الذي يُمنعون فيه من أبسط حقوقهم، فإن الأمر لا يعود متعلقًا بالتسامح، بل بإدارة الصورة، وإعادة ترتيب الذاكرة بما يخدم الرواية الأقوى.

ثم إن المفارقة تتضاعف حين يصدر الحديث عن التسامح من جهاتٍ سبق أن رفضت مسارات حوار أو مصالحة لأسباب مرتبطة بالسياق الديني أو الكنسي، ووصفت شخصيات وطنية وتاريخية بأوصاف التخوين، وحرّكت الرأي العام باستغلال الأزمة، ومنعت الناس من معرفة الحقيقة كاملة، وحرّضت ضد الإسلاميين خوفًا من نتائج الانتخابات القادمة. فكيف يستقيم خطاب التسامح من دون مراجعة صادقة للماضي القريب؟ وكيف يمكن إقناع المجتمع بجدية هذا الخطاب إذا ظلّ محكومًا بازدواجية المعايير، وانتقائية الذاكرة، واستعمال الملفات الوطنية في إطار الصراع لا في إطار الإنصاف؟

إن التسامح الحقيقي لا يكون انتقائيًا، ولا يُفصَّل على مقاس السلطة أو المرحلة أو المصلحة. إنه يبدأ حين يُعترف بالإنسان بوصفه إنسانًا، لا بوصفه تابعًا أو خصمًا أو عبئًا سياسيًا. ويبدأ حين تتقدّم العدالة على الزينة، والحقيقة على المجاملة، والمصالحة الفعلية على التسويق الرمزي. كما يبدأ حين يُكفّ عن تقسيم الجزائريين إلى درجات في الوطنية والشرعية والحق في الذاكرة والانتماء.

وعليه، فإن الجزائر اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من المشاهد المصقولة بقدر حاجتها إلى مصالحة وطنية حقيقية وشاملة؛ مصالحة تعترف بالمظالم، وتفتح الملفات المؤلمة، وتردّ الاعتبار للضحايا، وترفع الإقصاء عن المختلفين، وتتعامل مع الذاكرة بوصفها مسؤولية وطنية لا عبئًا ينبغي التخلص منه. فالجزائر بحاجة إلى عدلٍ قبل الزينة، وإلى صدقٍ قبل الخطاب، وإلى شجاعةٍ في مواجهة الماضي بدل القفز عليه.

فالتسامح الذي لا ينطلق من الداخل، ولا يمرّ عبر المصارحة والإنصاف، ولا يشمل الجزائريين قبل غيرهم، يبقى مجرد عنوان جذاب، تخفي بلاغته الرسمية واقعًا مثقلًا بالخذلان. أما التسامح الحقيقي، فهو ذاك الذي يُبنى على القناعة لا على التسويق، وعلى الاعتراف لا على الإخفاء، وعلى المصالحة الصادقة مع الجزائريين أولًا، قبل أن يتحول إلى رسالةٍ موجهة إلى العالم.

نورالدين خبابه 12 أفريل 2026

إرسال تعليق

[facebook]

أرسل رسالة نصية

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget